فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 979

للمعاني، تعطي لكل زمان ما يناسبه بشكل مباشر في الثوابت، وبشكل غير مباشر في المتغيرات، يتولى الاجتهاد استخراج الحلول الشرعية من أصول الوحي ليعالج صور الحياة الواقعية، فيجعل الحياة بشكل دائم تتحقق على سمت ديني مع تغاير أنماطها وملابساتها. فبالنظر الاجتهادي يحصل المجتهد الحقائق المودعة في النص، تدفعه إليها حاجة الظروف المستجدة، وتهديه إليها معارفه المكتسبة، فينبلج الحق له ولغيره من المجتهدين شيئا فشيئا انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم [1] .

فبالاجتهاد يتم سبر أغوار النص، والغوص في أعماقه للظفر بجوهره والمراد الحقيقي للشارع منه، وتعميم الحكم معنويا وعقليا فيما لا نص فيه، ويحول ذلك دون أن يبقى الحكم مقصورا على محله الذي ورد النص فيه، ويتم الإرتقاء بحكم النص من أرضية لغويته إلى الأفق الرحب الذي يغطي فيه جزئيات عديدة.

والاجتهاد"فيما لا نص فيه"يتخذ صورا مختلفة، وأشكالا عديدة، منها:

أ_ اعتماد ما يعتبر متضمنا للدليل من إجماع وأقوال الصحابة بالاجتهاد فيها وترجيح بعضها على بعض.

ب _ إلحاق مسكوت بمنصوص عليه لعلة جامعة بينهما. وهو الاجتهاد القياسي.

ج _ تطبيق القواعد الكلية على الجزئيات التي تندرج تحتها مع مراعاة مقاصد الشريعة ومصالح الخلق التي عهد من الشارع المحافظة عليها.

د _ استقراء الجزئيات التي اختلفت موضوعاتها لاستنباط"مفاهيم كبرى"تندرج تحتها فروع عديدة، بحيث تأخذ حكما واحدا، لوحدة الهدف والغاية المتصلة بمفهوم العدل، وهذا هو شأن"النظريات العامة"وهي من أرقى ما وصل إليه العقل البشري في الاجتهاد التشريعي) [2] .

هـ _ الاجتهاد القائم على تقدير"المصالح"وما يعتمد في"السياسة الشرعية"والتي تستلزمها الظروف المستجدة العامة ولاسيما الاستثنائية منها، إذ التشريع العام الكامل يملك تدبير شؤون الأمة في الظروف العادية والاستثنائية وذلك بالاستناد إلى أصول مثل تحقيق العدل، ومقاصد الشريعة، والأمن العام.

ومرد التقدير في ذلك للعقل العلمي المتخصص، المستنير المنضبط بالشورى والجاري على أصول الشريعة المترسم لمقاصدها، إذ العقل ليس له استقلال تام في إدراك تلك المصالح، لوجود منازع تفسد عليه النظر المتوازن الصحيح، مثل: التأثر بمنافع عاجلة موقوتة أو بالهوى والعصبية والعنصرية والحب والبغض والغرور والهيمنة والطغيان .. ولذا فتلك المصالح مشروطة بأن تكون على نحو يقيم الدنيا بما لا يتناقض مع جعلها سبيلا إلى الآخرة. [3]

ز _ النظر في أعراف البلاد الصحيحة التي لم تخالف نصا شرعيا ولا قاعدة أساسية قال ابن عابدين في أرجوزته:

(1) عبد المجيد النجار"في فقه التدين فهما وتنزيلا"ص 104. كتاب الأمة الجزء الأول عدد 23.

(2) محمد فتحي الدريني نفس المرجع السابق ص201.

(3) محمد فتحي الدريني نفس المرجع السابق له ص201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت