فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 979

4 -ضبط مجال الاجتهاد ومعرفة المسكوت عنه، والتفقه في الواقعة أو النازلة موضع الاجتهاد والاستعانة بالخبراء في ذلك لتنزيل الدواء في موضع الداء وليس خارجا عنه. ومعرفة ما يتعلق بذلك من ملابسات ومصالح للناس في ذلك أو أضرار واقعة أو متوقعة.

5 -تطبيق القواعد الكلية على ما يندرج تحتها من جزئيات، وإلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه إذا وجد المعنى الجامع وانتفت الموانع.

أما المضامين والمحتويات والمعارف المطلوبة لتحقيق هذه القدرات والأهداف هي نفسها شروط الاجتهاد التي سبق تفصيل الحديث فيها.

فيظهر من هذا أن ملكة الاجتهاد تتكون من هذه القدرات أو الملكات الصغرى مجتمعة بشكل وظيفي وليس تراكمي كمي. فلا يعتبر من حاز واحدا منها أو الأربعة الأولى حائزا على ملكة الاجتهاد ما لم ينتقل إلى النقطة الخامسة أي التطبيق وإنجاز اجتهاده.

فإذا بقي تعليمنا الشرعي في أعلى مقاصده منحصرا في تكوين المفسر والمحدث والأصولي والفروعي وحتى المقاصدي، وأصر على الفصل بين هذه المجالات ووضع الخطوط الوهمية بين هذه التخصصات، فضلا عن استقلال الكليات الحديثة ذات المناهج العلمانية بالتفقه في الواقع، فسنبقى بعيدين عن تكوين الفقيه المجتهد. لأن العلوم عموما في أصلها كلها متعاونة مرتبطة بعضها ببعض، فكيف بالتي خرجت من مشكاة واحدة؟

ب-المهارات وطرق التدريس والعرض والبحث:

وهذه جميعا ينبغي الاهتمام بها في مسارنا لتكوين ملكة الاجتهاد، فمادة اشتغالنا ليس يوجد أرفع منها في الدنيا كلها، فهي كلام الله عز وجل، وكلام خاتم الأنبياء، وإجماع الأمة المعصومة، ونظر وآراء أولياء الله الصالحين ونخبة عقلاء البشرية. ولكن قد نؤتى من جهة منهج التعامل وطرق التفاعل وأسلوب التلقي وغيرها مما يدخل في الوسائل والطرق والمناهج، نلمس بعضا من ذلك في إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الوحي هو الوحي غير أن مستوى الانتفاع منه تختلف من جيل لآخر بل وحتى في الزمن الواحد من شخص لآخر ومن فئة لأخرى.

فعن زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: {أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه وهو يقول قد ذهب أوان العلم قلت بأبي وأمي وكيف يذهب أوان العلم ونحن نقرأ القرآن ونعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى أن تقوم الساعة فقال ثكلتك أمك يا بن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أوليس اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون منهما بشيء هذا} [1]

وفي صحيح البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} [2]

فأهم المهارات التي ينبغي الاهتمام بها والاجتهاد في تحسين أدائها من طرف المعلم والمتعلم، وإعادة النظر في أسلوب تعاملنا فيها هي: البيان والتبيين والإسماع والتفهيم والإفصاح والمطالعة والقراءة والتلاوة والاستماع والإنصات وإدارة الحوار والسؤال والحفظ والفهم والموازنة والمقارنة والترجيح والاستدلال والاستقراء والاستنباط وغيرها من أساليب التواصل والتبليغ والمعرفة والبحث .. وفي حديثنا عن بعضها تنبيه للمجهود الذي ينبغي أن يبذل في غيرها، إصلاحا للقنوات التي توصل ماء الوحي لتحيى به القلوب والعقول فتثمر خيرا في اجتهاد النظر والعمل.

فعن المطالعة والسماع وكثرة التحصيل (قال ابن أبي زنبر سمعت مالكا يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث) [3] وقال الإمام الشافعي (حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير ليس عليه إلا سماعي منه) [4]

ولا شك أن هذا من الخطوات الأولى الضرورية على درب الاجتهاد والذي يعتبر بدوره خطوة سابقة عن الحفظ وغيره.

أ-الحفظ خاصية إسلامية لا يجوز التفريط فيها:

وقد كان ملازما للمجتهدين منذ الصحابة رضي الله عنهم، فعن أنس بن مالك رضي اله عنه قال: (كنا نقعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن يكون ستين رجلا يعني فيحدثنا بالحديث ثم يدخل لحاجته فنتراجعه بيننا هذا ثم هذا فنقوم وكأنما زرع في قلوبنا) [5] . فكان من البديهيات عند المسلمين حفظ القرآن كاملا قبل الجلوس إلى العلم. وسيرة العلماء والمجتهدين تبين ذلك، بل الواقع التاريخي إلى عهد قريب يثبت هذه الحقيقة. وكان جملة من العلماء لا يقبلون الأطفال في حلقاتهم حتى يسألونهم عن كتاب الله عز وجل. فهذا حفص بن غياث يقول: (أتيت الأعمش فقلت حدثني قال أتحفظ القرآن قلت: لا، قال: إذهب فاحفظ القرآن ثم هلم

(1) أخرجه محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ) في"المستدرك على الصحيحين"وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ج: 3 ص: 681 - تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا -دار الكتب العلمية- بيروت- 1411 - 1990 - الطبعة:: الأولى

(2) محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي (ت256هـ) "الجامع الصحيح المختصر"ج: 1 ص: 42 كتاب العلم-باب فضل من علم وعلم-تحقيق: مصطفى ديب البغا- دار ابن كثير , اليمامة- بيروت- 1407 - 1987 - الطبعة:: الثالثة

(3) القاضي عياض"ترتيب المدارك"ج: 1 ص: 121

(4) أبو زهرة"تاريخ المذاهب الفقهية"ج: 2 ص: 235

(5) رواه أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أبو بكر (ت 458هـ) "المدخل إلى السنن الكبرى"ج: 1 ص: 290 - تحقيق: د. محمد ضياء االرحمن الأعظمي دار النشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي- الكويت- 1404 ورواه أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي (ت 307هـ) في مسنده ج: 7 ص: 131 - تحقيق: حسين سليم أسد- دار المأمون للتراث- دمشق- 1404 - 1984 - الطبعة:: الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت