له على تخريج حادث بموجود ( ... ) وما أسرع الخطأ إليه، وأكثر تزاحم الغلط عليه، وأبعد الفقه لديه) [1] وبين أولئك الذين أخذهم حماس التجديد فحملوا الناس على ترك الفروع الفقهية وحرقوا كتبها وأوقعوا المحن بذويهم حتى ظهر وكأن القصد هو محو مذهب مالك من المغرب جملة واحدة.
وأطل السيف برأسه لمن لا يعتمد الأصول والسنن. ومهما يكن في الأمر من تهويل ومبالغة , فلا دخان بدون نار. ويبدو أن الخلاف بين نقلة الأخبار ينحصر في البديل المقترح، أهو حمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة وتقوية أهل هذا الشأن كما يذهب إلى ذلك صاحب"المعجب", أم هو الاجتهاد المطلق وعدم تقليد أحد من الأئمة المجتهدين كما يرجح ذلك"ابن خلكان"؟. أما غلظة طريق المعالجة وعنف المنهج فمحل اتفاق. فقد ذكر صاحب"المعجب"يعقوب المنصور فقال: (إن في أيامه انقطع علم الفروع , وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب الفروع .. ) [2]
وكذلك ذكر ابن خلكان: (أمر يعقوب المنصور الموحدي برفض فروع الفقه وأحرق كتب المذهب .. ) [3] وأيا كان فقد وقف ابن رشد حكما عدلا وقاضيا منصفا. وبين ابتداء أن كتابه ليس موجها ضد أحد , ولا يتملق به طرفا من الأطراف، فقد بين ظاهرا أن الغرض من كتابه (أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة) [4] . تماما كما ذكر في كتابه"مختصر المستصفى" (فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت لنفسي على جهة التذكرة .. ) [5] .
وتطابق العبارة هنا دليل آخر على نسبة"البداية"لابن رشد. وعلى غير عادته في كتب أخرى [6] . ثم ذكر أنه سيذكر مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها والتنبيه على نكت الخلاف. والهدف المعلن من ذلك ذكر (ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع) [7] وهذا وإن كان هدفا رئيسا، فلا يبعد أن يكون من ورائه أهداف تناسب"المقتصد"الغير القادر على الاجتهاد، سواء كان من أهل الحل والعقد في الدولة الموحدية أو من متفقهة زمانه , مثل: هدف فهم الخلاف، ونشر الوئام والوفاق وخلق التسامح ونبذ التعصب , والشعور بأن الجميع ينهل من مورد واحد ويستضيء بمشكاة واحدة , وإن اختلف مقدار الضوء المحصل بحسب قوة الإبصار والقرب أو البعد من المشكاة. ولا شك أن في قوة"البداية"ما يحقق هذا الغرض أو يقرب منه، وذلك بما يلي:
(1) الفكر السامي ج2 ص178
(2) الفكر السامي ج2 ص170 - 171
(3) الفكر السامي ج2 ص170 - 171)
(4) البداية ج1 ص55
(5) مختصر المستشفى ص34
(6) مثلما سبق أن رأيناه في"مقالة في الترياق"م م ص249"المتن الرشدي ص 93"
(7) البداية ج1 ص55 ط. د. ج.