فلم يميزه في"البداية"بشيء، ولا يعدو أن يكون عند ابن رشد واحدا من سائر المذاهب يؤخذ من كلامه ويرد. وهو إن كان يقر بتواجدهم في زمانه حيث أشار مرة (وعلى أصول الظاهرية يجب الرمل وهو قولهم أو قول بعضهم الآن فيما أظن) [1] غير أنه أكد في موضع آخر أن المذهب المعمول به في جزيرة الأندلس هو المذهب المالكي [2] . ولهذا خصه ببعض الأمور الشكلية التي تؤلف القلوب وتمهد لها السبل للتغيير , دون المساس بجوهر الموضوعية , مثل البدء به غالبا عندما يذكر المذاهب , والإكثار من ذكر أعلام المذهب المالكي مقارنة مع غيرهم، بل والاقتصار أحيانا قليلة على الخلاف في المذهب وتخصيص مالك دون غيره من الأئمة ب"رضي الله عنه"أحيانا نادرة.
وكذلك الاعتذار له والدفاع عن بعض آرائه كما يفعل مع غيره. وفي هذا رد اعتبار لفقهاء المذهب المالكي من جهة، والدفاع عن أئمة الدين وعلماء الأمة من جهة ثانية أمام ما يمكن أن تتعرض له آراؤهم من استخفاف من طرف أصحاب الدعوة الجديدة بحجة الرجوع إلى الأصول واعتماد الكتاب والسنة، وكأن هؤلاء لا يصدرون عنهما. ويظهر من حكمته أيضا أنه رغم ممارسته بحرية كاملة للنقد والتحليل والترجيح وإبداء عدد من الآراء المستقلة فإنه يراعي الجو العام الذي يسوده التقليد.
ويتلطف في طرح ما يراه صوابا سواء تعلق الأمر بأسلوب الطرح كالإكثار من قوله: (فيما أحسب) و (لعله يمكن) و (الله أعلم) أو الاحتياط في إطلاق الأحكام فيستخدم (لعمري) , (في نظري) , (لماذا ليت شعري) وقد يصل به الأمر إلى نوع من المجاراة الظاهرية لما يعتقده الناس دون أن يمنعه ذلك من إبداء رأيه على التحفظ فيقول في مسألة خلافية (والمسألة محتملة , ولولا أنه لا يجوز إحداث قول لم يتقدم إليه أحد في المشهور , وإن كانت مسألة فيها خلاف , لقيل [كذا] ... ) [3] ... ثم أبدى رأيه فيها.
الهدف الثالث: إصلاح التعليم الفقهي:
لا يشك أحد في أن للمناهج التعليمية دورا حاسما في تحديد الاتجاه في مجتمع ما نحو الرقي والازدهار والإبداع وإما نحو التخلف والتقليد والاجترار. ومثل هذا لا يمكن أن يغيب على أمثال ابن رشد الذي تبوأ مكانا ممتازا في حياة مجتمعه العلمية , بل ومن المؤكد أنه كان يحمل هم الإصلاح والتغيير , وربما في وقت مبكر من حياته والذي جعله عند حسن ظن الأمير الموحدي ليستعين به في
الإصلاح التعليمي الذي يتوخاه كما سبق الإشارة إلى ذلك. وكما يظهر من مؤلفاته المبكرة مثل"مختصر المستصفى" (552هـ) الذي كتبه قبل"البداية"بأكثر
(1) البداية ج 1 ص 249
(2) البداية ج2 ص699
(3) البداية ج1 ص166