من عشر سنوات. والذي ذكر فيه أنه عرض فيه جملا رأى من (النافع تقديمها للمتعلم عند شروعه في الصناعة) [1] أي صناعة أصول الفقه.
كما لا يبعد أن تهزه غضبة أبي بكر بن العربي وغيره لما آل إليه الوضع عند أهل زمانه من فساد الطرق التعليمية حيث ماتت العلوم (إلا عند آحاد الناس , واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل [ ... ] وجعل الخلف منهم يتبع السلف حتى آلت الحال إلى أن لا ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلمنكة وأهل طليطلة , وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم , علموه كتاب الله , ثم نقلوه إلى الأدب ثم إلى"الموطأ"ثم إلى"المدونة"ثم إلى وثائق ابن العطار , ثم يختمون له بأحكام ابن سهل , ثم يقال له , قال فلان الطليطلي وفلان المجريطي وابن المغيث لا أغاث الله ثراه , فيرجع القهقرى , ولا يزال يمشي إلى الوراء. ) [2]
فتحجب عنه الأصول التي تلقاها في وقت مبكر من حياته حفظا لمتونها بغير تفهم لمعانيها , ويشتغل بأقوال الرجال وأعمال المدن والبيئات فيتمرس على التقليد ويصعب لديه التجديد.
ويمكن إجمال النظرة الإصلاحية عند ابن رشد في المجال التعليمي من خلال"البداية"بسط النقط التالية:
أ-الاهتمام بالأصول ووضع قوانين لتنظيم القول الفقهي:
ذكر ابن رشد غير ما مرة أن كتاب"البداية" (ليس المقصود به التفريع , وإنما المقصود فيه تحصيل الأصول .. ) [3] ولا يسأم من تكرار (وليس كتابنا هذا موضوعا على الفروع) [4] و (قصدنا إنما هو الأصول الضابطة للشريعة لا إحصاء الفروع لأن ذلك غير منحصر) [5] (فالفروع إذن ليست مقصودة سواء كانت من المسائل المسكوت عنها في الشرع والتي لم يشتهر فيها الخلاف , أو الفروع التي يوجبها القياس وفي هذا المعنى يقول(وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا في الأقل , وذلك إما من حيث هي مشهورة وأصل لغيرها , وإما من حيث هي كثيرة الوقوع) [6] فإذا كان القصد إذا ذكر المشهور وما يجري مجرى الأصول فما الغرض: بهذا المصطلح عند ابن رشد؟
معنى الأصول:
تحتل مادة"أصل"حيزا مهما من المادة المصطلحية في كتاب"البداية"إذ ورد ذكرها بصيغ مختلفة حوالي 911 مرة. وقد وردت عند ابن رشد بصيغ لا تبتعد كثيرا عن المعنى اللغوي للكلمة التي تحيلنا على معان متقاربة. فأصل الشيء أسفله أو هو المصدر أو ما تفرع عنه الشيء وهو يقابل الفرع , وما فعلته أصلا أي قطعا واستأصل الشيء: قلعه من أصله , والأصيل: من يتصرف عن نفسه دون وكيل. والأصول: القوانين والقواعد التي يبنى عليها العلم. ومن خلال تتبع كلمة"أصل"في"البداية"فإننا نقف إجمالا على المعاني التالية:
-الأصل: بمعنى عدم الحكم أي البراءة الأصلية، حيث يقول: (إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع موضوع والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع) [7]
-الأصل: بمعنى السبب مثل: (وأصل هذا الاختلاف في الاشتراك الذي في الباء) [8]
-الأصل: بمعنى الدليل من الكتاب والسنة مثل: (والأصل في وجوب الطهارة بالمياه قوله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ... ) [9]
-الأصل: بمعنى القاعدة الأصولية مثل: (الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل علىغير ذلك) [10] .
-الأصل: بمعنى الجذور اللغوية مثل: (لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية) [11]
-الأصل: بمعنى القاعدة الفقهية مثل قوله: (فإن سفك الدم بالنكول حكم ترده الأصول .. إلى أن قال: وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة أو بالاعتراف) [12]
-الأصول: بمعنى القضايا الكبرى , أو أهم المباحث في باب فقهي معين أو ما ينبغي معرفته فيه إجمالا. أو ما يمكن أن يصنف إليه ذلك الباب. ويعبر عنه بمثل ما قاله في كتاب التدبير: (وأما أحكامه فأصولها راجعة إلى أجناس خمسة) [13] أو قوله في مسح الخفين: (الكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل) [14] . أو قوله في باب اليمين ( ... وفي هذا الباب فروع كثيرة لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب) [15] ...
-الأصول: بمعنى: المعاني والقواعد العامة التي تشهد لها نصوص عديدة. مثل: (فأصول الشرع تشهد بالمبادرة إلى الخير) [16] . وكذلك قوله في إشارة
(1) مختصر المستصفى ص37
(2) الفكر السامي ج2 ص176 - 177
(3) البداية ج2 ص232
(4) الهداية ج6 ص513
(5) الهداية ج2 ص330
(6) الهداية ج1 ص332
(7) نفسه ج1ص63
(8) نفسه ج1ص8
(9) نفسه ج1ص16
(10) نفسه ج1ص25
(11) نفسه ج1ص51
(12) نفسه ج2ص90
(13) نفسه ج2ص292
(14) نفسه ج1ص13
(15) نفسه ج1ص305
(16) نفسه ج1ص108