فتواهم في مسألة مسألة) [1] ويقصد فتاوى الصحابة رضي الله عنهم , لأنه وإن لم يكن لهم معرفة بأصول الفقه كما عرف فيما بعد لكن كانوا يستعملونه بالقوة كشأنهم في العربية والأشعار بغير ما حاجة إلى تعلم القواعد والأوزان.
-وتكتسي مسألة"الأصول"أهمية قصوى عند ابن رشد فهي لا تعارض بالاحتمالات المخالفة لها [2] كما لا يجوز أن ينتقل المجتهد عن أصل ثابت بأمر محتمل , بل إذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل. وعلى قدر ما يكون الاتفاق والإجماع على أصل معين على قدر ما يكون قويا , وهذا لا يمنع أن يكون في الأصول الاختلاف ولكل مذهب ومجتهد أصوله , وليس يمنع من صحة الأصل ألا يوافقه عليه الخصم [3] . ولما كانت نصوص الوحي من الكتاب والسنة أصل الأصول ينبه ابن رشد المتعلم والمجتهد كليهما مرة بعد أخرى بأن (لا معنى للنظر مع الثابت من مذهب الأثر) [4] وبأن (ظاهر الكتاب أولى أن يتبع( ... ) من القياس وكذلك ظاهر الحديث وعليه أكثر الفقهاء) [5]
وطالما علق على قول الفقهاء (وليس يجب أن يترك المنصوص عليه لشيء لم ينص عليه) [6] (وردوا الخبر بالقياس وذلك ضعيف) [7] كما أن قياس الشبه المأخوذ من الموضع المفارق للأصول يضعف [8] . وفي موضع آخر (لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا. فالواجب أن يغلب على القياس) [9] وما دام العمل بنصوص الوحي أمرا مقصودا بذاته فالجمع بين الروايات المختلفة أولى من الترجيح (ما أمكن الجمع عند أكثر الأصوليين) [10] .
وتتجلى أهمية التركيز على الأصول فيما يلي:
1 -وضع دساتير وقوانين للقول الفقهي:
يفيد تعلم الأصول والتركيز عليها في وضع دساتير وقوانين للقول الفقهي ونقله من مستوى الجزئيات والوقائع اللامتناهية والتي ينقضي العمر دون إحصائها، وضبط النوازل بقانون يعمل عليه المجتهد ولا يبقى أمره خاضعا لما يعطيه بادئ الرأي فتختلف أجوبته وتضطرب وتتناقض ولهذا فهو يذكر (من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف عليه بين الفقهاء ليكون ما يحصل في ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصا عمن تقدمه. أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره) [11] ويضرب مثالا لغياب هذا القانون عند بعض الفقهاء في بعض المواضع الاجتهادية , ففي باب الربويات في معرفة ما يعد صنفا واحدا وما لا يعد كذلك يرى مالك (في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس( ... ) والظاهر من مذهبه أن ليس في ذلك قانون من قوله حتى تنحصر فيه أقواله
فيها) [12]
وهذه بعض النماذج لهذه القوانين:
-في مسألة من يحرم الجمع بينهن من النساء اختار أصحاب مالك القانون
التالي: (إنما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة محرمة , أعني لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا ... ) [13] .
-في مسألة العيوب التي لها تأثير في العقد هناك قانون معمول به عند الجميع:
(ما ينقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في ثمن البيع) [14] وهو يختلف كما يقول ابن رشد بحسب اختلاف الأزمان والعوائد والأشخاص ...
-في مسألة بيوع الشروط لاحظ ابن رشد اضطراب الفقهاء في إعطاء فروق بينة بين الأصناف الأربعة بعد أن رام ذلك كثير منهم فعسر عليهم، فحاول ابن رشد أن يضع قانونا في ذلك حيث قال: (وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا والغرر وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك أو ما يفيد نقصا في الملك. فما كان دخول هذه الأشياء أبطله وأبطل الشرط وما كان قليلا أجازه وأجاز البيع) [15] .
-من شأن العقود أن يكون اللزوم فيها أو الخيار مستويا من الطرفين [16] .
-لا يخرج ملك أحد من يده إلا برضاه [17] أو بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع [18]
-العبادة لا تصح من غير العاقل [19] .
-التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي. [20]
-لا يقضى في هذه الشريعة إلا بدليل [21] .
-المرأة في معنى الرجل في كل عبادة إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها [22] .
(1) مختصر المستصفى ص 36
(2) البداية ج2 ص230
(3) نفسه: ج2 ص 283
(4) نفسه: ج: 1 ص: 230
(5) نفسه: ج: 1 ص: 22
(6) نفسه: ج: 1 ص: 111
(7) نفسه: ج: 1 ص: 148
(8) نفسه: ج: 2 ص: 218
(9) نفسه: ج: 1 ص: 347
(10) نفسه: ج: 1 ص: 26
(11) نفسه: ج: 2 ص: 131
(12) نفسه: ج: 2 ص: 103 - 104
(13) نفسه: ج: 2 ص: 32
(14) نفسه: ج: 2 ص: 131
(15) نفسه: ج: 2 ص: 120
(16) نفسه: ج: 2 ص: 285
(17) نفسه: ج: 2 ص: 194
(18) نفسه: ج: 2 ص: 202
(19) نفسه: ج1 ص233
(20) بداية المجتهد ج: 1 ص: 49
(21) نفسه: ج: 2 ص: 352
(22) نفسه: ج: 1 ص: 80