فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 979

السواء أو عندما يكون في الأمر تخيير [1] أو غيرها من الأحوال. كما أن التمرس بالنظر إلى شواهد الحال واعتبار المصالح يورث قوة في صناعة الفقه شبيهة بقوة المهنة التي يحصلها أهل الصناعات المختلفة كلما تقدم بهم الزمن فيها حيث (يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة) [2] .

فقوة الحاسة الفقهية عند المجتهد والفقيه عموما تمكنه من التنبؤ بالحلول أو آراء ومواقف المجتهدين إذا عرفت أصولهم أو بإمكان الخلاف في مسألة ما، وإن لم يسبق له اطلاع عليها فمثلا في وقت الفدية يقول ابن رشد: (وأما الوقت فالجمهور على أن هذه الكفارة لا تكون إلا بعد إماطة الأذى ولا يبعد أن يدخله الخلاف قياسا على كفارة الأيمان) [3] فيتوقع الخلاف وإن لم يقف عليه. وكذلك عند حديثه عن مفسدات الحج (واختلفوا في صفة الجماع الذي يفسد الحج وفي مقدماته، فالجمهور على أن التقاء الختانين يفسد الحج ويحتمل من يشترطه في وجوب الطهر الإنزال مع التقاء الختانين أن يشترط في الحج) [4]

وتقدير هذه الاحتمالات تصقل النظر وتقوي ملكة الاجتهاد ما دامت الأصول محفوظة ويمكن الرجوع إليها للتثبت والتصحيح. وأكد ابن رشد أن التدرب في مثل هذه المسائل هو الطريق الصحيح لتسلق سلم الاجتهاد وذلك بقوله (ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل) [5] .

وفي ثنايا الكتاب يعطي ابن رشد أمثلة كثيرة لهذا التدريب نذكر منها:

-ذكر ابن رشد رواية ابن القاسم عن مالك حيث أمر الحاقن بإعادة الصلاة في الوقت وبعد الوقت، وقال ابن رشد: (وهذا يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة) [6]

-وأورد رأي ابن حزم في الطلاق المقيد بالاستثناء بحيث (لا يقع طلاق بصفة لم تقع بعد ولا بفعل لم يقع لأن الطلاق لا يقع في وقت وقوعه إلا بإيقاع من يطلق في ذلك الوقت ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على وقوع طلاق في وقت لم يوقعه فيه المطلق، وإنما ألزم نفسه إيقاعه فيه فإن قلنا باللزوم لزم أن يوقف عند ذلك الوقت حتى يوقع. هذا قياس قوله عندي وحجته وإن كنت لست أذكر في هذا الوقت احتجاجه في ذلك)

-وكذلك إذا قضى القاضي وهو مشغول النفس ككونه غضبان بالصواب

(فاتفق فيما أعلم على أنه ينفذ حكمه ويحتمل أن يقال لا ينفذ فيما وقع عليه النص وهو الغضبان لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه) [7] .

(1) نفسه: ج: 2 ص: 124

(2) نفسه: ج: 2 ص: 35

(3) نفسه: ج: 1 ص: 268

(4) نفسه: ج: 1 ص: 271

(5) نفسه: ج: 2 ص: 290

(6) نفسه: ج: 1 ص: 131

(7) نفسه: ج: 2 ص: 355

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت