-وفي حكم الذبائح أهل الكتاب يقول: (إذا لم يعلم أن أهل الكتاب سموا الله على الذبيحة فقال الجمهور تؤكل وهو مروي عن علي، ولست أذكر فيه في هذا الوقت خلافا ويتطرق إليه الاحتمال بأن يقال إن الأصل هو أن لا يؤكل من تذكيتهم إلا ما كان على شروط الإسلام فإذا قيل على هذا إن التسمية من شرط التذكية وجب أن لا تؤكل ذبائحهم بالشك في ذلك ... ) [1] .
-ومن النماذج الرائعة في تدريب وتكوين ملكة الاجتهاد، ما سلكه ابن رشد في عرض مسألة (الانتفاع بجلد الميتة) [2] حيث يمكن أن نختبر تقدم الملكة لدى طلاب الاجتهاد، بإعادة طرح المسألة بين أيديهم انطلاقا من النصوص الواردة في المسألة ثم يطلب استنباط ما يمكن من الأحكام منها مع تبرير ذلك والاستدلال عليه، وبيان أوجه الجمع أو الترجيح بين الآثار الواردة في الموضوع، فتعرض المسألة كما يلي:
النصوص الواردة في الموضوع:
الحديث الأول: حديث ميمونة أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بميتة فقال عليه الصلاة والسلام: (هلا انتفعتم بجلدها) . الحكم: ظاهره إباحة الانتفاع بجلد الميتة مطلقا.
الحديث الثاني: حديث ابن عكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كتب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) قال: وذلك قبل موته بعام)
الحكم: ظاهره: منع الانتفاع بها مطلقا.
الحديث الثالث: في بعض الأحاديث: الأمر بالانتفاع بها بعد الدباغ والمنع قبل الدباغ. . الحكم: ظاهره: التمييز في الانتفاع بين حالة الدباغ أو عدمه، حيث يباح في الأول ويمنع في الثاني.
الحديث الرابع: حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا دبغ الإهاب فقد طهر.
الحكم: ظاهره طهارة كل جلد مدبوغ. والطاهر يجوز الانتفاع به.
الاستدلال وتبرير الحكم وتصور المذاهب الممكنة إزاء اختلاف هذه الآثار:
المذهب الأول: مذهب الجمع على حديث ابن عباس لاعتبار صحته أي التفريق في الانتفاع بالجلود بين المدبوغ وغير المدبوغ. ويتفرع عنه اعتبار الطهارة في مطلق الحيوان على الظاهر ولو كان جلد خنزير، أو اعتبار ذلك فقط في ما تعمل فيه الذكاة من الحيوان.
المذهب الثاني: مذهب الترجيح لحديث ميمونة باعتبار تضمنه لزيادة على ما في حديث ابن عباس، وأن تحريم الانتفاع ليس يخرج من حديث ابن عباس قبل الدباغ
(1) نفسه: ج: 1 ص: 330
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 57