ومما لا يعتبر في الأحكام حسب بعض العلماء ما أحدثه بعض الخلفاء من بعد الراشدين: ففي مقدار الإطعام في كفارة الإظهار أخذ أهل المدينة بمد هشام تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا، قال ابن العربي في أحكامه: (وقع الكلام ها هنا في مد هشام كما ترون، ووددت أن يهشم الزمان ذكره ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها واستقر الرسول بها ووقع عندهم الظهار وقيل لهم فيه(فإطعام ستين مسكينا) فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع وقدره معروف عندهم متقرر لديهم.
وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرا واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشبعه ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال. فغير السنة وأذهب محل البركة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم مثل ما بارك لإبراهيم بمكة فكانت البركة تجري بدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره.
وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم. ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مدين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة الظهار أحب إلينا) إلى أن قال: (وبهذا أقول، فإن العبادة إذا أديت بالسنة فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان وأبرك في يد الآخد وأطيب في شدقه وأقل آفة في بطنه وأكثر إقامة لصلبه) [1]
أهمية الأحكام والغرض منها:
الأحكام الشرعية مناط السعادة الدنيوية والأخروية:
يقول الآمدي: (وأما غاية علم الأصول فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية) [2]
إعمال الأحكام سبب للإعمار:
يقول ابن عابدين: (استنباط الأحكام الشرعية وتدوينها وتعليمها للناس سبب للعمل بها. ولا شك أن الانقياد للأحكام الشرعية وعمل الحكام بها والرعية زين للبلاد والعباد ينتظم به أمر المعاش والمعاد , وبضده الجهل والفساد , فإنه شين ودمار للديار والأعمار. ) [3]
(1) أحكام القرآن: ج: 4 ص: 165 - 166
(2) الإحكام للآمدي ج: 1 ص: 24
(3) محمد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين (ت 1252هـ) "رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار"ج1 ص 61 - دار الكتب العلمية.