وحسما للتنازع بين الحكام وغيرهم من الناس يرى الباجي وغيره من الفقهاء أن (الأحكام العامة التي هي مصروفة إلى الأئمة لا يمضى فيها إلا ما يراه الإمام ويؤديه إليه اجتهاده دون رأي المحكوم عليه) [1]
وتبلغ مسؤولية الحكام درجة قتال الجاحدين للأحكام، يقول ابن حجر: (قوله: أن أقاتل .. ، أي بأن أقاتل( ... ) قوله: حتى يشهدوا، جعلت غاية المقاتلة، وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد، وأقام، وأتى، عصم دمه، ولو جحد باقي الأحكام. والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أن نص الحديث وهو قوله إلا بحق الإسلام يدخل فيه جميع ذلك، فإن قيل فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة فالجواب أن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما لأنهما أما العبادات البدنيه والمالية) [2]
العدل في الأحكام من فرائض الدين:
يقول البيهقي في شعب الإيمان: (العدل بين الناس في الأحكام وعامة المعاملات من فرائض الدين، فأما ما اتصل بغير الحكم، فالناس كلهم مأمورون بأن ينصف بعضهم بعضا من نفسه، فلا الطالب يطلب ما ليس له ولا المطلوب يمنع ما عليه بعد أن كان قادرا على أن يعفو به.
وأما ما اتصل منه بالحكم فجملته أن الحاكم لا ينبغي له أن يتبع هواه ولا يتعدى الحق إلى ما سواه، كما قال الله عز وجل لداود عليه السلام: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) فإن الحاكم ليس رجلا خص من بين الناس، فقيل له: احكم بما شئت. فإن هذا لم يكن لملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما ائتمن على حكم الله تعالى .. ليفصل بين عباده ويحمل المختلفين عليه) [3]
وتبعا لذلك فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.(قال الله تعالى {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} وقال صلى الله عليه وسلم: {إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد شيئا ثم لم يعدل بينهم}
وأما قوله صلى الله عليه وسلم {القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عمل بالحق في قضائه فهو في الجنة وقاض علم الحق فخان متعمدا فذلك في النار وقاض قضى بغير علم واستحيا أن يقول إني لا أعلم فهو في النار} فصح أن ذلك في الجائر العالم , والجاهل الذي لم يؤذن له في الدخول في القضاء , وأما من اجتهد في الحق على علم فأخطأ فقد قال عليه الصلاة والسلام {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر} ) [4]
ودفعا للجور يرى العلماء نقض الممكن من الأحكام الباطلة، وقد عقد مسلم في صحيحه بابا سماه: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، وأورد فيه حديث (عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [5]
ويذهب بعض العلماء إلى حد مجاهدة الحكام مغيري الأحكام متى توفرت القدرة على ذلك، أورد الطحاوي في مشكل الآثار قوله:(وقد روي عن مالك في ذلك ما يدل على أن مذهبه كان فيه على مثل ما في حديث ابن عباس الذي رويناه من المخالفة بين الاثني عشر ألفا وبين ما دونها من الأعداد.
كما سمعت محمد بن عيسى بن فليح بن سليمان الخزاعي أبا عبد الله يذكر أن العمري العابد , وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب جاء إلى مالك فقال له يا أبا عبد الله قد نرى هذه الأحكام التي قد بدلت أفيسعنا مع ذلك التخلف عن مجاهدة من بدلها؟
فقال له مالك: إن كان معك إثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف عن ذلك , وإن لم يكن معك هذا العدد من أمثالك فأنت في سعة من التخلف عن ذلك، وكان هذا الجواب من مالك أحسن جواب. وإنما أخذه عندنا والله أعلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الذي رويناه"ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة") [6]
الشورى من عزائم الأحكام:
وحرصا من الشرع على بلوغ أقصى درجات العدل الممكنة وتجنب غوائل الجور والظلم في الأحكام، أمر بالشورى وجعلها من عزائم الأحكام، يقول ابن عطية: (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا مالا خلاف فيه وقد مدح الله المؤمنين بقوله:(وأمرهم شورى بينهم ) ) [7]
هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشاور في الأحكام؟:
يجيب صاحب الفتح عن هذا السؤال بالقول: (المشاورة إنما تشرع عند عدم العزم، وهو واضح. وقد اختلف في متعلق المشاورة، فقيل في كل شيء ليس فيه نص، وقيل في الأمر الدنيوي فقط، وقال الداودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم، لأن معرفة الحكم إنما تلتمس منه. قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمة.
وأما في غير الأحكام فربما رأى غيره أو سمع ما لم يسمعه أو يره كما كان يستصحب الدليل في الطريق، وقال غيره: اللفظ وإن كان عاما لكن المراد به الخصوص للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام، قلت: وفي هذا
(1) المنتقى للباجي ج 2 ص142
(2) فتح الباري ج: 1 ص: 76
(3) شعب الإيمان ج: 6 ص: 71
(4) إبراهيم بن علي ابن فرحون اليعمري (799هـ) "تبصرة الحكام في أصول الأقضية"ج 1 ص 14 - دار الكتب العلمية.
(5) صحيح مسلم ج: 3 ص: 1343
(6) مشكل الآثار للطحاوي ج 1 ص 50
(7) تفسير القرطبي ج: 4 ص: 249