ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام فيما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤية لأن الخبر لا يقبل الا من ضابط مكلف والنائم بخلافه.
ومنها أن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء للحديث المشهور ومنها قوله صلى الله عليه وسلم إن كذبا علي ليس ككذب على أحد قال أصحابنا وغيرهم فتعمد الكذب عليه من الكبائر فإن استحله المتعمد كفر حتى قال النووي: (واعلم ان هذا الضرب لا ينحصر ولكن نبهنا بما ذكرناه على ما سواه) [1]
ثم بين سبب تفصيله في خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتا في الصحيح فعمل به أخذا بأصل التأسي فوجب بيانها لتعرف ولا مشاركة فيها وأي فائدة أعظم من هذه) [2]
النسخ في الأحكام:
معرفة الناسخ والمنسوخ ضروري في الأحكام:
قال القرطبي في بيان سبب نزول قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها .. ) : (أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك وقالوا إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولهذا يناقض بعضه بعضا، فأنزل الله:(وإذا بدلنا آية مكان آية) وأنزل (ما ننسخ من آية ) ) [3]
ثم بين فوائد وأهمية معرفة الناسخ والمنسوخ بقوله:(معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام.
روى أبوالبختري قال: دخل علي رضي الله عنه المسجد، فإذا رجل يخوف الناس. فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه، فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. قال: فأخرج من مسجدنا، ولا تذكر فيه. وفي رواية أخرى أعلمت الناسخ والمنسوخ قال لا قال: هلكت وأهلكت) [4]
يقول ابن بدران وهو يعدد شروط الاجتهاد (وأن يعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، لأن المنسوخ بطل حكمه وصار العمل على الناسخ، فإن لم يعرف الناسخ من المنسوخ أفضى إلى إثبات المنفي ونفي المثبت ويكفيه أن يعرف أن دليل هذا الحكم ليس بمنسوخ. فلا يشترط عليه أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة ومع هذا فالإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة وقد صنف في ناسخ القرآن ومنسوخه جماعة منهم أبو جعفر النحاس والقاضي أبو بكر وابن العربي ومكي صاحب الإعراب ومن المتقدمين هبة الله بن سلامة ومن المتأخرين ابن الزاغواني وابن الجوزي وغيرهم وألف في ناسخ الحديث ومنسوخه جماعة منهم الشافعي وابن قتيبة وابن شاهين وابن الجوزي وغيرهم) [5]
لا ناسخ إلا ما نفى حكما ثابتا:
بعد أن نفى الطبري أن يكون قوله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله) منسوخا قال: (وقد دللنا في كتابنا"كتاب البيان عن أصول الأحكام"على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا، وألزم العباد فرضه غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك، فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم أو المجمل أو المفسر فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع، ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه ولم يصح واحد من هذين المعنيين، لقوله تعالى:"فأينما تولوا فثم وجه الله"بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه هو ناسخ أو منسوخ) [6]
نسخ الأحكام يؤثر على المستقبل ولا ينقض الماضي:
قال القرطبي في قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) : (ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة، وهو أن ما كانت عليه الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه. لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به) [7]
لا نسخ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
يقول ابن قدامة: (ولمن أجاز بيعهن أن يحتج بما روى جابر قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فلما كان عمر رضي الله عنه نهانا فانتهينا. رواه أبو داود. وما كان جائزا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النص إنما ينسخ بنص مثله. وأما قول الصحابي فلا ينسخ ولا ينسخ به، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتركون أقوالهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتركونها بأقوالهم وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه، ولو بلغه لم يعده إلى غيره) [8]
الأحكام الدنيوية هي التي تنسخ:
قال السبكي في سياق الحديث عن ما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم {يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين} : (وقال القرطبي: وذكره الدين، تنبيه على
(1) تهذيب الأسماء ج: 1 ص: 64
(2) تهذيب الأسماء ج: 1 ص: 66
(3) تفسير القرطبي ج: 2 ص: 61 - 62
(4) تفسير القرطبي ج: 2 ص: 61 - 62
(5) المدخل لابن بدران (ت 1349) ج: 1 ص: 370 - 371
(6) تفسير الطبري ج: 1 ص: 505
(7) تفسير القرطبي ج: 5 ص: 58
(8) المغني ج: 10 ص: 413