يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه ( ... ) فمن ذلك قول الله تعالى: .. (ولله على لناس حج البيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين) وقال عليه السلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم منها) ففي الآية عموم الناس وإيجاب عمل خاص عليهم وهو السفر إلى مكان واحد نفسه بعينه من سائر الأماكن وهو مكة أعزها الله فاضبط هذا.
وفي الحديث المذكور تخصيص بعض الناس وهم النساء ونهيهن عن عمل عام وهو السفر جملة لم يخص بذلك مكان دون مكان فاختلف الناس في كيفية استعمال هذين النصين [1] ( ... ) قال علي وأما نحن فإنما ملنا إلى استثناء الأسفار الواجبة والمندوب إليها من سائر الأسفار المباحة وأوجبنا على المرأة السفر إلى الحج والعمرة الواجبتين والتغريب وأبحنا لها التطوع بالعمرة والحج ومطالعة ما لها دون زوج ودون ذي محرم [2] ( ... )
والوجه الرابع أن يكون أحد النصين حاظرا لما أبيح في النص الآخر بأسره أي يكون أحدهما موجبا والآخر مسقطا لما وجب في هذا النص بأسره قال علي فالواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا عليه لو لم يرد [3] واحد منهما فنتركه ونأخذ بالآخر لا يجوز غير هذا أصلا [4] ( ... )
من ذلك أمره عليه السلام ألا يشرب أحد قائما وجاء حديث بأنه عليه السلام شرب قائما فقلنا نحن على يقين من أنه كان الأصل أن يشرب كل أحد كما شاء من قيام أو قعود أو اضطجاع ثم جاء النهي عن الشرب قائما بلا شك فكان مانعا مما كنا عليه من الإباحة السالفة ثم لا ندري أنسخ ذلك بالحديث الذي فيه إباحة الشرب قائما أم لا فلم يحل لأحد ترك ما قد تيقن أنه أمر به خوفا أن يكون منسوخا قال علي فإن صح النسخ بيقين صرنا إليه ولم نبال زائدا كان على معهود الأصل أم موافقا له .. ) [5]
لا تعارض بين الأحاديث:
يقول السيوطي في معرفة مختلف الحديث وحكمه (هذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف وهو: أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما. وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني) [6]
(1) الإحكام لابن حزم ج: 2 ص: 163
(2) الإحكام لابن حزم ج: 2 ص: 164
(3) الإحكام لابن حزم ج: 2 ص: 166
(4) الإحكام لابن حزم ج: 2 ص: 167
(5) الإحكام لابن حزم ج: 2 ص: 168
(6) تدريب الراوي ج: 2 ص: 197