وقال ابن دقيق العيد: (هو غير منحصر في هذا العدد , بل هو مختلف باختلاف القرائح والأذهان وما يفتحه الله على عباده من وجوه الاستنباط ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام) [1]
وقال محمد بن محمد بن أمير حاج الحنفي (879هـ) في"التقرير والتحبير في شرح التحرير"مؤكدا على ضرورة معرفة المجتهد لجميع القرآن: (تمييز آيات الأحكام من غيرها يتوقف على معرفة الجميع بالضرورة , وتقليد الغير في ذلك ممتنع ; لأن المجتهدين متفاوتون في استنباط الأحكام من الآيات على أن ما يتعلق منه بالأحكام غير منحصر في العدد المذكور بل هو مختلف باختلاف القرائح والأذهان وما يفتحه الله تعالى على عباده من وجوه الاستنباط , ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام بالمطابقة لا بالتضمن والالتزام كما ذكره ابن دقيق العيد وغيره إذ غالب القرآن لا يخلو من أن يستنبط منه حكم شرعي) [2]
وبلغ الأمر بابن الجوزي إلى اعتبار حصر المطلوب من تعلم القرآن في آيات الأحكام في حق المجتهد من تلبيس إبليس [3] ، يقول: (كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسنن أبي داود ونحوها ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا، وربما اعتمد على قياس يعارضه
(1) البحر المحيط للزركشي ج8 ص 230
(2) محمد بن محمد بن أمير حاج الحنفي (879هـ) في"التقرير والتحبير في شرح التحرير"ج: 3 ص: 293
(3) والغريب ما ذهب إليه بعض الكتاب المعاصرين حيث بالغ في حصر آيات الأحكام حتى أصبحت عنده عشر هذا العدد الذي انتقده العديد من العلماء، فانتقل من 500 آية إلى 50 آية فقط، جاء في موقع أقلام أونلاين (أما بالنسبة للإسلام فمن يقرأ الكتاب العزيز من أوله إلى آخره يتأكد لديه بصفة واضحة حسب الدكتور الصادق بالعيد ان هذا الكتاب كتاب هداية ودعوة إلى الرجوع إلى الدين الحق فـ90% من آيات القران الكريم تتحدث عن الغيبيات والكونيات وعلاقة الإنسان بربه و10 في المائة فقط تتحدث عن علاقة الإنسان بالإنسان أي تتحدث عن التشريع.
هذه العشرة بالمائة قام الكاتب بغربلتها من خلال إزالة الآيات التي هي في ظاهرها فقط آيات أحكام أو هي حكمية من الناحية اللغوية فقط، وهي الآيات التي تأتي بصفة مباشرة آو غير مباشرة بأمر ( ... ) ذلك أن ابن عربي كما يرى الباحث قد ضمن كتابه"آيات الأحكام"العديد منها دون أن تكون آيات حكمية من الناحية التشريعية.
أما إذا طبقنا التعريف الذي يقول إن الآيات الحكمية هي الآيات التي تتحدث عن موقف وتقدم جزاء لذلك الموقف كقولك لا تقتل جارك فإذا قتلته فانك تتعرض إلى كذا ... فلن يتبقى لدينا من الـ600 آية سوى ما يزيد قليلا عن 200. فإذا أدخلنا في الاعتبار أسباب نزول بعض الآيات وناسخها ومنسوخها باعتبار أن بعض الآيات نزلت لتعالج مسالة ظرفية محددة وأخرى تم نسخها فلن يتبقى لدينا سوى ما يقارب الـ50 آية هي التي يمكن أن توضع على أنها آيات الأحكام بالمعنى التشريعي. ) ملخص من محاضرة: المحاضر هو الدكتور الصادق بالعيد، أستاذ بكلية الحقوق تونس 2 عميد سابق بنفس الكلية، أستاذ زائر لعدد من كليات ارو ربا وأمريكا، دارس وباحث في القانون له العديد من الدراسات والبحوث منها على سبيل المثال كتابه"الإسلام والتشريع"الذي كان محور المحاضرة التي ألقاها يوم السبت 14/ 1/2005 بمقر منتدى الجاحظ.