فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبلغ الأحكام للآحاد والجماعة , ولا يلزم تبليغ كل حكم لجميع المكلفين. وعلى تقدير السماع: فجائز أن يعرض مانع من النقل , أعني نقل غير هذا الراوي. فإنما يكون ما ذكر إذا اقتضت العادة أن لا يخفي الشيء عن أهل التواتر , وليست الأحكام الجزئية من هذا القبيل). [1]
وأجاب عن الوجه الثالث أي مخالفة الحديث للقياس الجلي والأصول القياسية المقطوع بها.(فلا نسلم عدم افتراق الفرع من الأصل إلا فيما لا يعتبر من المصالح وذلك ; لأن البيع يقع بغتة من غير ترو. وقد يحصل الندم بعد الشروع فيه. فيناسب إثبات الخيار لكل واحد من المتعاقدين , دفعا لضرر الندم , فيما لعله يتكرر وقوعه. ولم يمكن إثباته مطلقا فيما بعد التفرق وقبله. فإنه رفع لحكمة العقد والوثوق بالتصرف , فجعل مجلس العقد حريا لاعتبار هذه المصلحة.
وهذا معنى معتبر. لا يستوي فيه ما قبل التفرق مع ما بعده. وأما الثانية: فلا نسلم أن الحديث المخالف للأصول يرد. فإن الأصل يثبت بالنصوص. والنصوص ثابتة في الفروع المعينة. وغاية ما في الباب: أن يكون الشرع أخرج بعض الجزئيات عن الكليات لمصلحة تخصها , أو تعبدا فيجب اتباعه. ) [2]
من يرى أن الأحكام تؤخذ أيضا من الأحاديث التي جاءت في سياق ضرب الأمثال:
قال ابن حجر في الحديث الذي شبه أمة الإسلام بأجير عمل من وقت العصر إلى المغرب فحصل على أجر اليوم كله: (وقال بن المنير يستنبط من هذا الحديث أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، قال: فهو من قبيل الإشارة لا من صريح العبارة فإن الحديث مثال وليس المراد العمل الخاص بهذا الوقت بل هو شامل لسائر الأعمال من الطاعات في بقية الأمهال إلى قيام الساعة، وقد قال إمام الحرمين إن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال) [3]
ورد ابن العربي قول إمام الحرمين بقوله: (وهذا وإن كان موضع تجوز وتوسع كما قال , فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقا تمثل أو توسع. ) [4] وقال الزركشي: (والتعليل بالتوسع باطل ; لأنه معصوم , ولو قال: لأن اللفظ لم يظهر منه قصد التشريع , فيكون قرينة صارفة عن الحكم لم يبعد) [5]
ثم أعطى أمثلة لما استنبطه الفقهاء من أحاديث الأمثال (كاحتجاج بعض الأصحاب على أن المحرم لا يشترط في الحج بحديث لترين الظعينة ترحل من الحيرة
(1) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ج 2 ص 106
(2) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ج 2 ص 107
(3) فتح الباري ج: 2 ص: 39
(4) البحر المحيط للزركشي ج 6 ص 267
(5) البحر المحيط للزركشي ج 6 ص 267