التواتر طريقه الخبر لا العمل وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوعها، أسبابها غير منسوخة ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفا عن سلف.
وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة لأن أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة الظن وإن خالفته أفادت به ضعف الظن.
فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد به أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولا أو عملا فيه ضعف وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين إما أنها منسوخة وإما أن النقل فيه اختلال وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره) [1]
ومن أمثلة ذلك ما جاء في المسح في الوضوء على الناصية والعمامة ورد حديث المغيرة وغيره أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته وعلى العمامة، قال ابن رشد: (وهذا الحديث إنما رده من رده إما لأنه لم يصح عنده وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه عنده أعني الأمر فيه بمسح الرأس وإما لأنه لم يشتهر العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد وبخاصة في المدينة على المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل وهو حديث خرجه مسلم ... ) [2]
وفي الأوقات منهي عن الصلاة فيها ذهب (مالك وأصحابه إلى أن الأوقات المنهي عنها هي أربعة الطلوع والغروب وبعد الصبح وبعد العصر وأجاز الصلاة عند الزوال أن هذه الأوقات الخمسة كلها منهي عنها إلا وقت الزوال يوم الجمعة فإنه أجاز فيه الصلاة واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين إما معارضة أثر لأثر وإما معارضة الأثر للعمل عند من راعى العمل أعني عمل أهل المدينة وهو مالك بن أنس فحيث ورد النهي ولم يكن هناك معارض لا من قول ولا من عمل اتفقوا عليه وحيث ورد المعارض اختلفوا) [3]
وقال أيضا: (أما مالك فلأن العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط ولم يجده على الوقت الثالث أعني الزوال أباح الصلاة فيه واعتقد أن ذلك النهي منسوخ بالعمل وأما من لم ير للعمل تأثيرا فبقي على أصله في المنع) [4]
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 125
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 10
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 73
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 74