ذكر ابن رشد في مقدمة"البداية"من أسباب اختلاف الفقهاء: (تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التي هي إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم، وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة .. ) [1]
الحقيقة والمجاز:
الأصل هو أن يحمل الشيء على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز:
اختلف العلماء في صوم المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا؟ قال ابن رشد: (والسبب في اختلافهم تردد قوله تعالى"ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر"بين أن يحمل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوف أصلا أو يحمل على المجاز فيكون التقدير فأفطر فعدة من أيام أخر وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب فمن حمل الآية على الحقيقة ولم يحملها على المجاز قال إن فرض المسافر عدة من أيام أخر لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ومن قدر فأفطر قال إنما فرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا المفهومين وإن كان الأصل هو أن يحمل الشيء على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز) [2]
اختلف الفقهاء إذا جامع المعتكف ناسيا وفي فساد الاعتكاف بما دون الجماع من القبلة واللمس قال ابن رشد: (وسبب اختلافهم هل الاسم المتردد بين الحقيقة والمجاز له عموم وخصوص وهو أحد أنواع الاسم المشترك فمن ذهب إلى أن له عموما قال إن المباشرة في قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ينطلق على الجماع وما دون الجماع ومن لم ير عموما وهو الأشهر الأكثر قال يدل إما على الجماع وإما على ما دون الجماع فإذا قلنا إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير الجماع لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه ومن خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة) [3]
وبخصوص خيار المجلس، قال ابن رشد: (وعمدة المشترطين لخيار المجلس حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار وفي بعض روايات هذا الحديث إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد) وغيرها من الأدلة، ثم أورد أدلة المعارضين ومن بينها ما ردوا به الحديث.
(قالوا وفيه تأويلان أحدهما أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان اللذان لم ينفذ بينهما البيع فقيل لهم إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة فيه لأنه معلوم من دين الأمة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقول وأما التأويل الآخر
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 4
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 215
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 231