فقالوا إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق بالقول لا التفرق بالأبدان كما قال الله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة والحقيقة هي التفرق بالأبدان ووجه الترجيح أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس فيغلب الأقوى والحكمة في ذلك هي لموضع الندم) [1]
وفي باب بيع العرية قال ابن رشد: (وأما أبو حنيفة فلما لم تجز عنده المزابنة وكانت إن جعلت بيعا نوعا من المزابنة رأى أن انصرافها إلى المعري ليس هو من باب البيع وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وهب بإعطاء خرصها تمرا أو تسميته إياها بيعا عنده مجاز وقد التفت إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه فلم يجز بيعها بالدراهم ولا بشيء من الأشياء سوى الخرص) [2]
الاستعارة:
لا يصار إلى الاستعارة إلا لأمر يوجب الخروج عن الحقيقة:
اختلف العلماء في معنى"المحصر"في الحج قال ابن رشد: (وقالوا معنى قوله فإذا أمنتم معناه من المرض وأما الفريق الأول فقالوا عكس هذا وهو أن أفعل أبدا وفعل في الشيء الواحد إنما يأتي لمعنيين أما فعل فإذا أوقع بغيره فعلا من الأفعال وأما أفعل فإذا عرضه لوقوع ذلك الفعل به يقال قتله إذا فعل به فعل القتل وأقتله إذا عرضه للقتل وإذا كان هذا هكذا فأحصر أحق بالعدو وحصر أحق بالمرض لأن العدو إنما عرض للإحصار والمرض فهو فاعل الإحصار وقالوا لا يطلق الأمن إلا في ارتفاع الخوف من العدو وإن قيل في المرض فباستعارة ولا يصار إلى الاستعارة إلا لأمر يوجب الخروج عن الحقيقة وكذلك ذكر حكم المريض بعد الحصر الظاهر منه أن المحصر غير المريض) [3]
الاحتمال الذي في الاسم المستعار شبهة والحدود تدرأ بالشبهات:
اختلفوا في القذف إن كان بتعريض فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى لا حد في التعريض إلا أن أبا حنيفة والشافعي يريان فيه التعزير وممن قال بقولهم من الصحابة ابن مسعود وقال مالك وأصحابه في التعريض الحد، قال ابن رشد: (وهي مسألة وقعت في زمان عمر فشاور عمر فيها الصحابة فاختلفوا فيها عليه فرأى عمر فيها الحد وعمدة مالك أن الكناية قد تقوم بعرف العادة والاستعمال الصريح وإن كان اللفظ فيها مستعملا في غير موضعه أعني مقولا بالاستعارة وعمدة الجمهور أن الاحتمال الذي في الاسم المستعار شبهة والحدود تدرأ بالشبهات والحق أن الكناية قد تقوم في مواضع مقام النص وقد تضعف في مواضع وذلك أنه إذا لم يكثر الاستعمال لها) [4]
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 128
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 165
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 259
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 330