وذكره مرة لأحمد ابن حنبل عند قوله: (وقال قوم لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها، وبهذا القول قال أحمد بن حنبل وسبب اختلافهم هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة أم إنما أبيحت لها الصلاة لأن حكمها حكم الطاهر فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها. ومن رأى أن ذلك لأن حكمها حكم الطاهر أباح لها ذلك وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها وأما التفريق بين الطول ولا طول فاستحسان) [1]
فيظهر من خلال استعمال الجميع عبارة الاستحسان وما في معناها، أن الخلاف ليس في استعمال العبارة في ذاتها وذلك أن في أصول الشرع ما يعطي مشروعية ما لما استحسنه المسلمون:
يقول الآمدي وهو يستعرض أدلة المجيزين لاستعمال الاستحسان: (أما الكتاب فقوله تعالى:(الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر 18) وقوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) (الزمر 55) ووجه الاحتجاج بالآية الأولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل ولولا أنه حجة لما كان كذلك. وأما السنة فقوله عليه السلام [2] (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا، وأما إجماع الأمة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة) [3]
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 46 - 47
(2) قال الشيخ ناصر الدين الألباني: (ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء لا أصل له مرفوعا وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود) سلسلة الأحاديث الضعيفة المجلد2 الحديث533 وأورد في الضعيف أيضا (إن الله نظر في قلوب العباد فلم يجد قلبا أنقى من أصحابي ولذلك اختارهم فجعلهم أصحابا فما استحسنوا فهو عند الله حسن وما استقبحوا فهو عند الله قبيح) الحديث 532 من نفس المجلد
(3) الإحكام للآمدي ج: 4 ص: 165 ثم رد هذه الأدلة بقوله: (والجواب عن الآية الأولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن القول وهو محل النزاع وعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه فضلا عن كونه أحسن ما أنزل وعن الخبر كذلك أيضا فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو ثم الله حسن إشارة إلى إجماع المسلمين والإجماع حجة ولا يكون إلا عن دليل وليس فيه دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله وإلا كان ما رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله وهو ممتنع وعن الإجماع على استحسان ما ذكروه لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل على صحته بل الدليل ما دل على استحسانهم له وهو جريان ذلك في زمن النبي عليه السلام مع علمه به وتقريره لهم عليه ذلك) الإحكام للآمدي ج: 4 ص: 165 - 166
ويذهب الشاطبي إلى حد اعتبار ما صدر من الصحابة من اعتبار للمصالح أو استحسان من قبيل السنة يقول رحمه الله: (ويطلق أيضا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم فإن إجماعهم إجماع وعمل خلفائهم راجع أيضا إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر لمصلحي عندهم فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان كما فعلوا في حد الخمر وتضمين الصناع وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) (الموافقات: ج 4 ص: 4 - 6)