وبغض النظر عن قوة هذه الأدلة أو ضعفها، يبقى المهم هو النظر في الأساس الذي يقوم عليه الاستحسان والدليل المعتمد فيه، إذ لا يرضى أحد لنفسه ولا لغيره قولا بغير دليل. وأقل ذلك أن لا يعارض هذا النظر أصلا شرعيا معتبرا وأن يكون مما تشهد الأصول لجنسه.
ولهذا نجد ابن رشد يميز بين الاستحسان القائم على دليل، وبين غيره ممن ليس كذلك، ويدافع عن معنى الاستحسان عند مالك وأنه ليس صحيحا ما يقال بأنه قول بلا دليل، ثم علق على ما يرى ضعفه في التطبيق العملي لهذه الأداة الاجتهادية، إما بأنه استحسان مبني على غير أصول، أو باعتباره جار على غير قياس. وكأنه بهذا يشير إلى حقيقة مفادها أن كثيرا من الخلافات الأصولية من جهة النظر لا يمكن الحسم فيها إلا من خلال أمثلة عملية وتطبيقات لتك الأصول.
الاستحسان المبني على غيرالأصول ضعيف:
مثل قوله: (واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض ... وأما مالك فقال إذا كانت الأرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك فلا بأس بدخولها في المساقاة، اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه. وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه أعني أن يكون مقدار كراء الأرض الثلث من الثمر فما دونه وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف وهو استحسان مبني على غيرالأصول لأن الأصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد) [1]
الاستحسان جار على غير قياس:
مثل قوله: (وأما فساده من قبل الغرر مثل المساقاة على حوائط مختلفة فيرد إلى مساقاة المثل وهذا كله استحسان جار على غير قياس ومن أدخل ذوي السهام على العصبة ولم يدخل العصبة على ذوي السهام فهو استحسان على غير قياس ووجه الاستحسان أنه رأى أن ذوي السهام أقعد من العصبة) [2]
وقوله: (وأما من المعنى كما تقدم من قولنا فالقياس أن تجري المنافع والأعيان المتولدة مجرى واحدا وأن يعتبر التضمن أو لا يعتبر وأما سائر الأقاويل التي بين هذين فهي استحسان) [3]
وقوله: (وقيل إن الأصل عنده في ذلك أن المساقاة إذا لحقها الفساد من قبل ما دخلها من الإجارة الفاسدة أو من بيع الثمر من قبل أن يبدو صلاحه وذلك مما يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير أو دراهم وذلك أن هذه الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 186
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 197
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 241