وفي الفصل الثالث من هذا الباب الأخير خصصت الكلام عن تعلم مراعاة المقاصد والمصالح والأعراف في الاجتهاد ومعرفة ما يتعلق بالذرائع والاستحسان، فكان المبحث الأول في المقاصد والمصالح فتناولت مفهوم المقاصد
وجذور هذا العلم قبل ابن رشد: أو ما أسميته المقاصد بين البسط والقبض، فبدأت بالمقاصد عند الصحابة ثم عند الأئمة وفقهاء الأمصار، وبعدهم عند ثلة من العلماء إلى زمن ابن رشد وتكلمت عن المقاصد في"البداية". وكذا مفهوم المصلحة عند ابن رشد وموقفه منها، ونماذج من الأخذ بالمصالح والتفسير المقاصدي للنصوص.
ثم تناولت المقاصد بعد ابن رشد، وبعض ما كتب في الموضوع بعده وخصوصا من بداية القرن الماضي.
وفي المبحث الثاني تناولت دور تعلم ما يتعلق بالذرائع في تكوين ملكة الاجتهاد، فبدأت بالحديث عن سد الذرائع وفتحها، وتكلمت في مفهومها ومشروعيتها وحالها في القرآن والسنة وعمل الصحابة بها، وأخذ الأئمة بها وصيغها في"البداية"وعلاقة الذرائع بالمقاصد، ونماذج من استعمالها وبعض القواعد فيها، وبعض ما كتب فيها.
ثم عقدت في آخر البحث ملحقا، في بعض الأصول والقوانين والقواعد الفقهية من خلال"البداية"رأيتها نافعة في الفهم والاستنباط، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التنقيح والتحرير وحسن التصنيف، وقصدي أن تكون مادة بين يدي الباحثين وطلبة ملكة الاجتهاد، شأنها في ذلك شأن ما لم يتيسر لي تحرير القول فيه والدخول في معامع الترجيح لبعض الأمور داخل البحث.
وحسبي أني جمعت ما أعتبره مدونة في علم الاجتهاد، أقترحها لمن رأى فيها ذلك أو على الأقل لم يجد ما يفضلها في هذا المجال، لتكون أحد المقررات الدراسية لتكوين المجتهدين إن صح في مثل زماننا أن يكون لهذا الأمر العظيم معهد أو تخصص جامعي في مستوى عال.
وهذا القصد هو الذي جعلني أتعامل مع"البداية"باعتبارها مشروعا للاجتهاد، يسمح بالتطوير والتتميم والإكمال وربما في بعض الجوانب بإعادة البناء، فارتأيت تقديم كثير من مادته تقديما أصوليا يناسب مباحث الأصول مادام صاحبه نفسه يطرح مرارا أن كتابه وضع في الأصول لا في الفروع، ولم أر بعد ذلك من حرج في الاستفادة ممن جاء قبله أو بعده في ترميم تلك المباحث الأصولية وخصوصا في الجانب النظري لتتكامل مع الصور التطبيقية التي جادت بها"البداية".
ولا يفوتني في آخر مقدمة هذا البحث، أن أتوجه بجزيل الشكر وجميل العرفان لجميع من ساعدني من قريب أو بعيد بقليل أو كثير في إنجاز هذا العمل، وإن عجزت عن تذكر وذكر من قام بذلك في حقي خلال هذه السنوات الطويلة، فإني أكل الأمر للعليم الجواد الكريم سبحانه أن يوفيهم من خير الجزاء والنعم، ويعطيهم من فضله ما به يسعدون في الدنيا والآخرة.