ومثال اتفاقهم قوله في"البداية": (وأما دية العمد فجمهورهم على أنها ليست على العاقلة لما روي عن ابن عباس ولا مخالف له من الصحابة أنه قال لا تحمل العاقلة عمدا ولا اعترافا ولا صلحا في عمد) [1]
ومثال أخذ المالكية والشافعية به وتقديمه على ظاهر النص ومعارضة الحنفية الذين قدموا النص قول ابن رشد في"البداية"في سجود القرآن: (ومالك والشافعي اتبعا في مفهومهما الصحابة إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية وذلك أنه لما ثبت أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة يوم الجمعة فنزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية وقرأها تهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء قالوا وهذا بمحضر الصحابة فلم ينقل عن أحد منهم خلاف وهم أفهم بمغزى الشرع وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف حجة) [2]
وعكس هذا المثال نجده في حكم ما يصاب من أعضاء الحيوان، فقد قال الشافعي ومالك يلزم فيما أصيب من البهيمة ما نقص في ثمنها قياسا على التعدي في الأموال. والكوفيون اعتمدوا في ذلك على قول عمر رضي الله عنه، وقالوا إذا قال الصاحب قولا ولا مخالف له من الصحابة وقوله مع هذا مخالف للقياس وجب العمل به لأنه يعلم أنه إنما صار إلى القول به من جهة التوقيف [3]
وفي موضع آخر يأخذ به الأحناف، يقول ابن رشد في"البداية"في زكاة العروض بعد أن أورد رأي الجمهور في وجوبها فيها خلافا لأهل الظاهر: (وزعم الطحاوي أن زكاة العروض ثابتة عن عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وبعضهم يرى أن مثل هذا هو إجماع من الصحابة أعني إذا نقل عن واحد منهم قول ولم ينقل عن غيره خلافه وفيه ضعف) [4] ويظهر في النص تضعيف ابن رشد للأخذ بالإجماع السكوتي [5] .
وأما أهل الظاهر فيبدو أنهم بأخذون به إذا لم يرد في الشرع نفي أو إثبات للمسألة موضع البحث جاء في"البداية": (وقال داود كل شيء لا مثل له من الصيد فلا جزاء فيها إلا الحمام فإن فيه شاة ولعله ظن ذلك إجماعا فإنه روي عن عمر بن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة) [6]
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 309
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 161 ومثاله أيضا ما جاء في إثبات النسب بالقافة قال بها فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي وأبى الحكم بالقافة الكوفيون وأكثر أهل العراق واستند القائلون بها إلى قضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من غير إنكار من واحد منهم هو كالإجماع بداية المجتهد ج: 2 ص: 269
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 243
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 185
(5) ومثله أيضا قوله: (والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة وكثير من الناس رأى هذا داخلا في باب الإجماع وهو ضعيف) بداية المجتهد ج: 2 ص: 13
(6) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 265