فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 979

ومثال عدم أخذ المالكية به في رواية قوله: (واختلفوا في هل بين العمد والخطإ وسط أم لا؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد. فقال به جمهور فقهاء الأمصار والمشهور عن مالك نفيه إلا في الابن مع أبيه. وقد قيل إنه يتخرج عنه في ذلك رواية أخرى، وبإثباته قال عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة ولا مخالف لهم من الصحابة) [1]

وقد ميز ابن تيمية رحمه الله في أقوال الصحابة التي لم يرد ما يخالفها بين ما انتشر منها وما لم ينتشر معتبرا الأولى محل أخذ جماهير العلماء، والثانية محل نزاع بينهم [2] . غير أن النظر في هذه الأمثلة وغيرها يجعلنا نعتقد أن الأمر أعمق من ذلك وأن إشكال التمايز بين التسليم من جهة النظر وبعض الممارسات التطبيقية وبين رد هذه الأقوال في مواطن عديدة لا يفسره انتشار هذه الأقوال من عدمه. فلو تعلق الأمر بصحابة مغمورين لكان لهذا القول وجه، أما والأمر يتعلق في معظمه بأمثال عمر وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - فلا يخفى في الغالب قولهم وكلهم حظي بسلطة القرار أو التوجيه.

ويدخل في الإجماع السكوتي أيضا ما سنه الخلفاء الراشدون [3] أبو بكر وعمر وعلي وعثمان - رضي الله عنهم - ودرجت عليه الأمة، ولم يعارضهم أحد في حياتهم أو بعد مماتهم إلى عهد موت آخر صحابي. وقلت ذلك احترازا مما اختلفوا فيه في الموضوع الواحد والمسألة الواحدة [4] حيث يرى فيها الخليفة أمرا ولا يظهر أحد خلافه في زمانه ويظهر ذلك بعده، وبالتالي لا يكون إجماعا للصحابة في حقنا، ولا يشترط هذا الشرط في إجماع غيرهم ممن يتعذر حصرهم.

ج- أقوال الصحابة وأفعالهم مما ليس من الإجماع ولا مما ظهر منها الرفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(1) بداية المجتهد: ج: 2 ص: 298

(2) الفتاوى الكبرى: ج: 5 ص: 79

(3) ومما يقوي اعتماد هذا الإجماع ما ثبت من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، وقال: [أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين .. عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم، ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة] ويتطرق إليه الاحتمال والضعف في كونه دليلا إذا جرد عن الإجماع ووجد المخالف من جهة تحديد من هم الخلفاء الراشدون هل هم من عرفوا تاريخيا بهذا الإسم من طرف أهل السنة والجماعة، أم هي صفة تشمل كل من حمدت سيرته وشهد له السواد الخير في الأمة بذلك عبر العصور؟ ثم هل يتساوى في ذلك من شهد له الوحي من الكتاب والسنة بغيرهم؟ وهل من زكاهم الوحي زمن الرسالة لم يغيروا ولم يبدلوا بعد ذلك أم أن خيريتهم الأولى تغمر ما قد يكون لهم بعد ذلك من أخطاء؟

(4) (ذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى أن حكم مانع الزكاة حكم المرتد وبذلك حكم في مانع الزكاة من العرب وذلك أنه قاتلهم وسبى ذريتهم وخالفه في ذلك عمر رضي الله عنه وأطلق من كان استرق منهم وبقول عمر قال الجمهور) بداية المجتهد ج: 1 ص: 182

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت