فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 979

من قال لا يعاد النظر والاجتهاد فيما اجتهد فيه الصحابة؟

وذلك بسبب الاعتقاد بأن المسألة المحكوم فيها غير معقولة المعنى مثل قوله): وأما اختلافهم في هل يستأنف الحكم في الصيد الواحد الذي قد وقع الحكم فيه من الصحابة فالسبب في اختلافهم هو هل الحكم شرعي غير معقول المعنى أم هذا معقول المعنى فمن قال هو معقول المعنى قال ما قد حكم فيه فليس يوجد شيء أشبه به منه مثل النعامة فإنه لا يوجد أشبه بها من البدنة فلا معنى لإعادة الحكم ومن قال هو عبادة قال يعاد ولا بد منه وبه قال مالك) [1]

وأما إذا كان الأمر معقول المعنى وتغيرت معطيات الاجتهاد الأول فيمكن إعادة النظر فيه، فهذا الإمام الشافعي يبرر سبب استئناف النظر فيما سبق للصحابة فيه قول بتغير ما كان محل الاجتهاد، يقول ابن رشد: (وأما الشافعي فيقول إن الأصل في الدية إنما هو مائة بعير وعمر إنما جعل فيها ألف دينار على أهل الذهب واثني عشر ألف درهم على أهل الورق لأن ذلك كان قيمة الإبل من الذهب والورق في زمانه) [2]

وكذلك فعل الشافعي في مسألة ما تقوم به سائر الأشياء المسروقة يقول ابن رشد: (وأما مالك فاعتضد عنده حديث ابن عمر بحديث عثمان الذي رواه وهو أنه قطع في أترجة قومت بثلاثة دراهم والشافعي يعتذر عن حديث عثمان من قبل أن الصرف كان عندهم في ذلك الوقت اثنا عشر درهما) [3]

قال ابن العربي في الأحكام في شأن إعادة النظر فيما اجتهد فيه الصحابة:

(ما تقدم فيه للصحابة حكم من الجزاء في صيد يبتدئ الآن الحكمان النظر فيه. وقال الشافعي: لا ينظر فيما نظرت فيه الصحابة ; لأنه حكم نفذ , وهذا يبطل بقضايا الدين ; فإن كل حكم أنفذته الصحابة يجوز الاجتهاد فيه ثانيا. وذلك فيما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع , وهذا أبين من إطناب فيه) [4] . ولعل هذا من الشافعي فيما يراه غير معقول المعنى وأما غير ذلك فهو بخلاف ما ساق عنه ابن العربي أو على الأقل في الأمثلة التي سقناها أعلاه.

منهج الصحابة في الاجتهاد:

النظر في أقوال الصحابة واجتهاداتهم وهم من هم في صفاء الذهن، وقوة الفطنة والذكاء [5] ، والفهم العميق للوحي الإلهي والنبوي، والأخلاق الرفيعة في الالتزام

(1) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 263

(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 308

(3) بداية المجتهد: ج: 2 ص: 335

(4) الاحكام: ج: 2 ص: 411

(5) - وفي هذا النص إشارة إلى شيئ مما حباهم الله به من ذكاء: (أخرج الحافظ الكنجي الشافعي، عن حذيفة بن اليمان أنه قال: لقي عمر بن الخطاب فقال له عمر: كيف أصبحت يابن اليمان؟ فقال: كيف تريدني أصبح؟ أصبحت والله أكره الحق، واحب الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، واصلي على غير وضوء، ولي في الارض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مر بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أكره الحق، فقال: صدق، يكره الموت وهو حق. فقال: يقول: واحب الفتنة، قال: صدق، يحب المال، والولد، وقد قال الله تعالى: {إنما أموالكم، وأولادكم فتنة} . الانفال: 28. فقال يا علي: يقول: وأشهد بما لم أره.

فقال: صدق يشهد لله بالوحدانية، والموت، والبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والصراط. ولم ير ذلك كله. فقال يا علي: وقد قال: إني أحفظ غير المخلوق، قال: صدق. يحفظ كتاب الله تعالى: القرآن وهو غير مخلوق. قال: ويقول: اصلي على غير وضوء. فقال: صدق. يصلي على ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة. فقال يا أبا الحسن: قد قال أكبر من ذلك. فقال: وما هو؟ قال: قال إن لي في الارض ما ليس لله في السماء. قال: يصدق. له زوجة والولد. فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب. وقال الحافظ الكنجي: قلت: هذا ثابت عند أهل النقل ذكره غير واحد من أهل السير. (عبدالرحمن أحمد البكري"عمر بن الخطاب"ص 196 ط: - الإرشاد-بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت