فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 979

وموقف ابن رشد من حجية هذا الأصل هو نفسه موقف أبي المعالي الجويني الذي يقول: (والمختار عندنا أن العقل لا يحيل إيجاب إتباع أحكام شرع من قبلنا إذا لم يرد في شرعنا ناسخ له( ... ) ولكن ثبت عندنا شرعا أنا لسنا متعبدين بأحكام شرع من قبلنا، والقاطع الشرعي في ذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزلة [1] على النبيين والمرسلين) [2]

كما ردد تقريبا نفس عبارة الغزالي والذي يقول: (ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو أيضا أربعة شرع من قبلنا وقول الصحابي والاستحسان والاستصلاح( ... ) الأصل الأول من الأصول الموهومة شرع من قبلنا ... ) ثم ساق مايراه من الأدلة بعد تجويزه وقوع ذلك عقلا كما قال الجويني، مركزا بالخصوص على عدم تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله.

وهو نفس موقف ابن حزم، الذي يقول في"المحلى": (وشغب بعضهم فذكر الحديث الذي فيه المغفرة للبغي التي سقت الكلب بخفها قال علي وهذا عجب جدا لأن ذلك الخبر كان في غيرنا ولا تلزمنا شريعة من قبلنا) [3]

وبهذا يكون ابن رشد قد خالف المالكية وخصوصا منهم أهل الأندلس، قال ابن عبد البر في حديث رجم اليهودي واليهودية حيث حاول بعضهم إخفاء آية الرجم في التوراة: (وفي هذا الحديث أيضا دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم، لأنهم قالوا إنهم يجدون في التوراة أن الزناة يفضحون ويجلدون محصنين كانوا بالنكاح أو غير محصنين. وفي ذلك من رجم الزناة المحصنين وفيه دليل على أن شرائع من قبلنا شرائع لنا إلا بما ورد في القرآن أو في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نسخه وخلافه، وإنما يمنعنا من مطالعة التوراة لأن اليهود الذين بأيديهم مؤتمنين عليها إنما غيروا وبدلوا منها) [4]

ويقول الباجي في"المنتقى": (والدليل على وجوب إزالة النجاسة، قوله تعالى {وثيابك فطهر} ( ... ) وجواب ثان وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا فيحتمل أن

(1) أورد صاحب"قواطع الأدلة في الأصول"ما يفيد اعتماد شرع من قبلنا يقول: (ويدل عليه أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن يقتدى به) ج: 1 ص: 316

(2) البرهان: ج: 1 ص: 331 - 332

(3) المحلى: ج: 1 ص: 116 وفي موضع آخر يقول في مسألة عدم جواز الحكم بالجعل على أحد (وأما قول يوسف عليه السلام فلا يلزم لوجوه: أحدها: أن شريعة من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام لا تلزمنا , قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فضلت على الأنبياء بست , فذكر عليه السلام منها: وأرسلت إلى الناس كافة} . وقال عليه السلام أيضا: {أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي} فذكر عليه السلام منها: {وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة} روينا هذا من طريق جابر , والذي قبله من طريق أبي هريرة. فإذ قد صح هذا فلم يبعثوا إلينا , وإذ لم يبعثوا إلينا فلا يلزمنا شرع لم نؤمر به , وإنما يلزمنا الإيمان بأنهم رسل الله تعالى , وأن ما أتوا به لازم لمن بعثوا إليه فقط.

(4) التمهيد: ج: 14 ص: 387

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت