فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 979

استعمل ابن رشد كلمة (استصحاب) بشكل مباشر 14 مرة، مثل قوله: (هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب؟ ) [1] وقوله: (فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الاجماع) [2] وقوله: (معارضة استصحاب الحال للقياس) [3] واكتفى أحيانا أخرى بعبارة (الرجوع ... ) إلى اليقين أو البراءة الأصلية أو إلى ما عليه الاتفاق أو الأصل، مثل قوله: (الرجوع إلى اليقين) [4] وقوله: (والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ) [5] والبراءة الأصلية عنده عدم الحكم [6] وقوله: (مذهب الرجوع إلى ما عليه الاتفاق عند التعارض) [7]

وقوله: (مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه وأنه كلا حكم) [8] وقوله أيضا: (فلما وقع الاحتمال وجب الرجوع إلى الأصل فإن الأصول لا تعارض بالاحتمالات المخالفة لها) [9] والأصول عنده كما هو الشأن هنا إقامة البينة، وكذا ما سبق ذكره من عدم الحكم، والإجماع، واليقين، وبراءة الذمة وغيرها [10]

وأحيانا يفهم الاستصحاب من السياق من غير أن يشير إليه بما سبق، كما في مثال استصحاب الأسماء والمعاني التي يمكن استنباطها مما يلي: يقول ابن رشد: (وأما المسألة الثانية فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب وكذلك الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة وسبب اختلافهم في هذا هو هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء إما بطلب متقدم وإما بغير ذلك هو عادم للماء وأما الظان فليس بعادم للماء ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان الواحد بعينه ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك علم قطعي بعدم الماء) [11] فهنا استصحاب عدم وجود الماء هو موضع الخلاف، وابن رشد أرجع الأمر إلى طبيعة المبرر الذي بموجبه تم الأخذ برخصة التيمم، وهل كان مبنيا على اليقين فلا يرفع بمجرد الظن أم على الظن وبالتالي لم يكن له أخذ الرخصة أصلا فوجب طلب الماء.

أنواع الاستصحاب:

يقول ابن رشد: (والاستصحاب في هذه الصناعة يطلق على وجوه: أحدها استصحاب البراءة الأصلية الذي تقدم. والثاني استصحاب العموم حتى يرد تخصيص. والثالث استصحاب النص حتى يرد نسخ. والرابع استصحاب حكم عند أمر قرنه الشرع به لتكرر ذلك الأمر. والخامس استصحاب الإجماع) [12]

ويمكن تصنيف هذه الأنواع التي ذكرها ابن رشد إلى صنفين كبيرين:

الصنف الأول: استصحاب البراءة الأصلية حتى يرد دليل السمع

أي استصحاب العدم الأصلي المعلوم بالعقل في الأحكام الشرعية وانتفاء الأحكام السمعية في حقنا قبل ورود الشرع، وبراءة الذمة من التكاليف الشرعية حتى يوجد دليل شرعي يدل على التكليف [13] . وكذا استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء التى لم يرد دليل على تحريمها، فالأصل في الأشياء النافعة التى لم يرد فيها من الشرع حكم معين هو الإباحة، كما أن الأصل في الأشياء الضارة هو الحرمة.

ومثاله في"البداية":

-اختلاف العلماء هل الوضوء شرط في مس المصحف:

يقول ابن رشد: (والسبب في اختلافهم تردد مفهوم قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون بين أن يكون المطهرون هم بني آدم وبين أن يكونوا هم الملائكة وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي وبين أن يكون خبرا لا نهيا فمن فهم من(المطهرون) بني آدم وفهم من الخبر النهي قال لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر ومن فهم منه الخبر فقط وفهم من لفظ (المطهرون) الملائكة قال إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة) [14]

-الاختلاف في استقبال القبلة للغائط والبول واستدبارها:

يقول ابن رشد: (والسبب في اختلافهم هذا، حديثان متعارضان ثابتان أحدهما حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال عليه الصلاة والسلام إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا. الحديث الثاني حديث عبد الله

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 52

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 70

(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 39

(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 144

(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 212

(6) يقول: (مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية إذا وقع التعارض وأعني بالبراءة الأصلية عدم الحكم) بداية المجتهد ج: 1 ص: 63

(7) بداية المجتهد ج: 1 ص: 34

(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 64

(9) بداية المجتهد ج: 2 ص: 230

(10) انظر في معنى الأصول عند ابن رشد (الفصل الثالث: تربية ملكة الاجتهاد أحد أهم أغراض"البداية"المبحث الأول: ذكر سبب تأليف"البداية"والغرض منها) من هذا البحث

(11) بداية المجتهد ج: 1 ص: 49

(12) الضروري: ص: 96

(13) ويدل على هذا الأصل قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة: 275) وقد جاء هذا في شأن الربا حيث أخبرهم سبحانه أن ما أكلوه من الربا قبل ورود النص لا مؤاخذة به إلا بعد ورود النص، ومثل هذه الآية أيضاً قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة: 115)

(14) بداية المجتهد ج: 1 ص: 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت