بالقياس فيما ليس فيه نص, وهذا قد تغير وصفه , فله حكم ما لم يرد فيه نص , إذ تغير الوصف يوجب تغير الحكم. ) [1]
ثم يختم بقوله: (وبالجملة فتسمية هذا دليلا تجوز في العبارة. والذي أصارهم إلى هذا تكلفهم أن يجعلوا السمعيات في وجوب الدليل في حالتي النفي والإثبات كوجوب ذلك في العقليات , حتى تراهم يضطربون , فمرة يقولون:"عدم الدليل دليل", ومرة يقولون:"ثبت بالقياس أو بالإجماع إن لم يلف دليل عليه في الشرع فتستصحب فيه البراءة الأصلية". والصواب غير هذا , لأن ما كان طريق وجوده السمع فهو على العدم محمول حتى يرد غير ذلك , والعدم فيه أشهر. وما كان هذا إما أن لا يطلب من الناس دليل عليه أصلا , وأما إن طلب فدون دليل المثبت , كالحال في المدعي والمدعى عليه. ) [2]
ويظهر لي من خلال موقف ابن رشد من الاستصحاب حدوث تطور لديه من هذا الأصل، فهو في"الضروري"جعله الأصل الرابع بعد الكتاب والسنة والإجماع في ميل واضح لأهل الظاهر، وأدرج القياس في دلالة الألفاظ أو بالأحرى ما يحتمل منه ذلك وأضعف ما لا يحتمل الإدراج في دلالة الألفاظ.
بينما في"البداية"ذكرهما معا بعد الكتاب والسنة والإجماع مشيرا إلى أن العمل في المسكوت عنه يكون قياسا عند الجمهور ويكون استصحابا عند أهل الظاهر، غير أنه لم يخف ميله إلى مذهب الجمهور، حيث يقول في مقدمة"البداية": (إن الطرق التي منها تلقت الأحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة: إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام، فقال الجمهور: إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل. وما سكت عنه الشارع فلا حكم له. ودليل العقل يشهد بثبوته، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص، والافعال، والاقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى. ) [3]
وسماه في موضع آخر استدلالا يقول: (ومما اعتمد عليه أهل الظاهر في هذه المسألة النوع من الاستدلال الذي يعرف باستصحاب حال الاجماع) والاستدلال هنا بمعنى إيراد الدليل الذي ليس نصاً ولا إجماعاً ولا قياساً [4] .
(1) الضروري: ص: 97
(2) الضروري: ص: 96
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1
(4) يقول محمد الروكي في مقدمة مبحث: (التقعيد بالاستدلال واثرها في اختلاف الفقهاء) من كتابه: (نظرية التقعيد واثرها في اختلاف الفقهاء) :(الاستدلال في اللغة هو طلب الدليل، وهو الذي يدل على الطريق.
وفي اصطلاح الأصوليين يطلق على أربعة معان:
1 ـ الاستدلال بمعنى إيراد الدليل من قرآن وسنة وقياس وغير ذلك.
2 ـ الاستدلال بمعنى إيراد الدليل الذي ليس نصاً ولا إجماعاً ولا قياساً.
3 ـ الاستدلال بمعنى: الاستصلاح، وهذا الإطلاق قد ورد على ألسنة كثير من الفقهاء والأصوليين كالجويني والغزالي والشاطبي وغيرهم.
4 ـ الاستدلال بمعنى الأقيسة التي ليست من قبيل قياس التمثيل)