فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 979

وإفسادها، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس. فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبن عن قليل ملكه وليقتلن ولده، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا [1] .

وأيا كان صدق هذه النبوءات من عدمها فإن انتشارها يبين اختلاف الأسس التي ستقوم عليها الدولة الجديدة عن سابقتها، فقد تسلح الموحدون بفكر الغزالي في مواجهة الفكر الباطني الإسماعيلي الذي عرف شيوعا كبيرا في شرق العالم الإسلامي وغربه فقابلوا دعوتهم بمثلها واجتهدوا في تعرف مذاهبهم الباطنية وكان رئيسهم محمد بن تومرت يتلقب بالمهدي وينتمي إلى آل البيت [2] .

و (لأجل أن تؤدي هذه الدولة مهمتها حق تأدية، أراد ابن تومرت ومؤسسها من بعده أن تكون حضارتها مطبوعة بطابع العظمة والتجديد في سائر مظاهرها) [3] .

ولهذا لقبوا ملوكهم بأمراء المؤمنين والخلفاء واجتهدوا في توسيع نفوذ الدولة فامتدت من المحيط الأطلسي إلى قرب حدود مصر طولا ومن الصحراء الكبرى إلى جبال الشارات بالأندلس، وكان أسطولهم أكبر أسطول في وقته، وكان جيشهم أكبر ما شاهده المغرب الإسلامي (ونطقت بهذه العظمة آثارهم متمثلة في صوامع الكتبية واشبيلية وحسان) [4] . وكانت لهم همة عالية في الجهاد والاهتمام بأمور الدين، فهذا ابن جبير الذي جال في كثير من ممالك العالم الإسلامي يقول: (وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة( ... ) كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهها إلا عند الموحدين) [5] .

أما عن التجديد فقد كان شاملا في الأفكار والآداب والفنون والإدارة والحرب. فأسست المارستانات والمدارس العديدة والمكاتب العامة ودور الضيافة وظهرت الابتكارات في مختلف المجالات.

_الحالة المدنية والاجتماعية:

انتشر الأمن في غير ما حقبة من أيام الموحدين (حتى كانت الظعينة تخرج من بلاد نول لمطة وتنتهي إلى برقة وحدها لا ترى من يعرض لها ولا من يكلمها) [6] .

وشاعت الحرية في هذا العهد في الجملة وتدفقت على الناس الأموال حتى (كان خراج إفريقيا وحدها في كل سنة وقر مائة وخمسين بغلا( ... ) وأنفق الناصر في غزوة إفريقية مائة وعشرين جملا ذهبية .. ولما تمت بيعة المنصور كان أول شيء فعله أن أخرج مائة ألف دينار ذهبا من بيت المال ففرقها في الضعفاء من بيوتات بلاد المغرب ( ... ) ، وفرق في عيد سنة 594هـ 73000 شاة ( ... ) .

كما جعل يوسف المرتبات للأطباء والمهندسين والكتاب والعلماء والطلبة والشعراء وغيرهم) [7] ، وعرف التعليم توسعا كبيرا شمل الرجال والنساء والأحرار والعبيد، ووظفوا (بعض المثقفات معلمات بقصر الخلافة وتذكر هنا الأدبية الشاعرة حفصة بنت الحاج الركونية الغرناطية، كانت أستاذة وقتها وانتهت إلى أن علمت النساء في دار المنصور وتوفيت بمراكش آخر سنة 586هـ) [8] ومن بنات الخلفاء التي حافظ عليهن التاريخ (زينب بنت يوسف بن عبد المومن التي أخذت عن ابن عبد الله بن إبراهيم علم الكلام وغير ذلك وكانت عالمة صائبة الرأي فاضلة معروفة) [9] .

ومن النساء الأندلسيات امرأة تسمى خيرونة أو خدونة كانت فقيهة صالحة توفيت سنة 594هـ وكما اختص الخلفاء الموحدون بأطباء لأنفسهم كذلك اختص نساؤهم بطبيبات لأنفسهن ومن هؤلاء أخت الحفيد أبي بكر بن زهر وبنتها (كانتا عالمتين بصناعة الطب والمداواة ولهما خبرة جيدة بما يتعلق بمداواة النساء، وكانتا تدخلان إلى نساء المنصور) [10] .

_ الرعاية الصحية:

لقد كان اهتمام كبير بالطب العام فأسس يعقوب المنصور (ت595هـ_1199م) مارستانات للمرضى والمجانين في عديد من بقاع البلاد. يحدثنا المراكشي في المعجب عن واحد منها وهو مستشفى مراكش يقول: (وبنى يعقوب المنصور بمدينة مراكش بيمارستان [11] ما أظن أن في الدنيا مثله وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البناءين بإتقانه على أحسن الوجوه( ... ) وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت ( ... ) وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام ( ... ) وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال.

وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز صيف وشتاء. فإذا بريء المريض فإن كان فقيرا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل ( ... ) ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء. بل كان من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج ( ... ) وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى ويسأل عنهم، يقول: كيف حالكم؟ وكيف القومة عليكم؟ إلى غير ذلك من السؤال، ثم يخرج، ولم يزل مستمرا على هذا إلى أن مات رحمه الله) [12] .

وكانت هذه المستشفيات غاية في التنظيم، فقد ذكر ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء عن نظام المستشفيات ما يلي: (كانت البيرمارستانات منقسمة إلى قسمين

(1) "المعجب"ص 179

(2) المعجب"ص 187"

(3) محمد المنوني ص 12.

(4) نفسه ص 13

(5) محمد بن أحمدبن جبير الأندلسي ت614 هـ"رحلة ابن جبير"ص 69 دار الكتاب اللبناني بيروت

(6) محمد المنوني ص 17

(7) نفسه ص 15

(8) نفسه ص 33

(9) نفسه ص 33

(10) موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة (ت668هـ) "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"ص 524 ت نزار رضا-دار مكتبة الحياة بيروت

(11) البيمارستان تسمية فارسية الأصل مركبة من كلمتين (بيمار= مريض أو بيماري- مرض، ستان = مكان) ، والبيمارستان أو المارستان تعني المستشفى

(12) "المعجب"ص 287 - 288

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت