منفصلين بعضها عن بعض: قسم الذكور وقسم الإناث، وكل قسم مجهز بما يحتاجه من آلة وعدة وخدم وفراشين من الرجال والنساء. وقوام ومشرفين وفي كل قسم من هذين القسمين عدة قاعات لمختلف الأمراض ( ... ) ولكل قسم رئيس ... ) وقد رجح الأستاذ محمد المنوني أن تكون هذه التنظيمات معتمدة أيضا في المستشفيات الموحدية استنادا لقول صاحب المعجب: ما أظن أن في الدنيا مثله [1] .
ومن عجائب تنظيمات الموحدين الطبية واحتياطاتهم أيام الوباء ما جاء في القرطاس (أنه في سنة 571هـ كان الطاعون الشديد بمراكش وأحوازها( ... ) فكان الرجل لا يخرج من منزله حتى يكتب اسمه ونسبه وموضعه في براءة"ورقة"ويجعلها في جبينه، فإن مات حمل إلى موضعه وأهله) [2] .
_نهضة الفنون والعمران:
ارتقت الفنون في كثير من مظاهرها على عصر الموحدين ونهضت مجموع الصناعات لهذا العهد وعرفت تقدما كبيرا وازدهارا قل نظيره في زمانهم وبالأخص إبان عظمة الدولة حيث الوفرة والجودة والإتقان والإبداع والاختراع فقد كان في فاس وحدها في عهد المنصور وابنه الناصر من معامل الصناعات: داران للسكة و 3064 معملا لنسج الثياب و 47 من ديار عمل الصابون و 86 من ديار الدبغ و 116 دارا للصباغة و12 معملا لتسبيك الحديد والنحاس 11 مصنعا للزجاج و 400 حجرة لعمل الكاغد و 118 دارا لعمل الفخار [3] .
(ومن الشواهد على إتقان الصناعات الإتقان الفائق، ما كانت عليه أبنيتهم من التفنن العظيم والتأنق الفائق، حسبما يعلم من مشاهدة ما بقي قائما منها، وما حفظ وصفه، وقد قال بعضهم: إن إتقان البناء من شواهد التقدم والرقي. ولا ينتج الأبنية الفخمة الشامخة إلا حضارة ضخمة، وشعوب لها شأن في فنون الهندسة والعمارة ونزعة إلى حسن الذوق) [4] .
ويتحدث المؤرخون أن مصانع الحرير بمدينة قرطبة وحدها كانت تستخدم ثلاثين ومائة ألف عامل ن وكان تسويقها يغطي شمال إفريقية إلى أواسط القارة حتى السودان [5] كما أن صناعة السفن عرفت ازدهارا كبيرا، يقول ابن خلدون:
(لما استفحلت دولة الموحدين في المائة السادسة وملكوا العدوتين، أقاموا خطة الأسطول على أتم ما عرف وأعظم ما عهد .. وانتهت أساطيل المسلمين حينئذ في الكثرة والاستجابة، إلى ما لم تبلغه من قبل ولا بعد فيما عهدناه) [6] .
وكانت لتلك الأساطيل مصانع متوافرة منبثة على طول مراسي المملكة الموحدية وقد (امتدت من مرسى سلا إلى المهدية وطنجة وسبتة وبادس والريف إلى تونس) [7] .
وكان المغرب متفوقا في صناعة السلاح، ومعامله توجد في جميع جهات الموحدين، تنتج مقدارا كبيرا من السلاح، كما كان للموحدين اعتناء خاص بصناعة استغلال المناجم وقد ذكر صاحب المعجب [8] عددا مما كان معروفا إذ ذاك بالمغرب والأندلس من معادن الذهب والفضة والحديد والكبريت والرصاص والزئبق ..
وتطورت الصناعة الميكانيكية وظهرت في كثير من المظاهر. ونأخذ المقصورة الميكانيكية مثالا لهذا التقدم الرائع، فقد كانت المقصورة التي يجلس فيها خلفاء الموحدين أثناء صلاة الجمعة ذات تركيب عجيب، فقد كانت تسع نحو ألف شخص، وكانت تتحرك بواسطة عجلات تثبت في أسفلها ولها ستة أذرع أو جوانب تمتد بواسطة مفاصل متحركة، وقد صنعت هذه العجلات والمفاصل بحيث لا يترتب عليها عند تحريكها أقل صوت، بل تدور جميعها في أتم سكون، ونظمت المحركات بطريقة هندسية دقيقة بحيث تتحرك جميعا في وقت واحد، متى رفع الستار عن أحد البابين الذين يدخل منهما أمير المؤمنين إلى المسجد عند صلاة الجمعة، وكانت المقصورة تبرز من جانب ويبرز المنبر من الجانب الثاني، وتلتف الجوانب في نفس الوقت حول مجلس أمير المؤمنين، كذلك نظم المنبر بحيث يفتح بابه متى صعد إليه الخطيب، ويغلق من تلقاء نفسه متى أخذ الخطيب مكانه وذلك كان دون أن يسمع أثر لهذه المحركات، كذلك نظمت أبواب المقصورة على هذا النمط ذاته [9] .
وقد بلغت هذه المقصورة حدا من الإتقان والدقة والغرابة عجز معه عدد من الشعراء عن وصفها، يقول صاحب المعجب:(ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قدم أبو بكر بن مجير فأنشد قصيدته التي أولها:
أعلمتني ألقي عصا التسيار ... فهي بلدة ليست بدار قرار
طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سور من الأسوار
وتكون حينا عنهم مخبوءة ... فكأنها سر من الأسرار
وكأنها علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار
فإذا أحست بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار
يبدو فتبدو ثم تخفى بعد ... كتكون الهلالات للأقمار
فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاختراعها) [10] كما كان على باب جامع الكتبيين بمراكش (ساعات ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا تنزل فيها عند
(1) محمد المنوني ص132
(2) نفسه ص133
(3) نفسه ص 236
(4) نفسه ص 237
(5) مي هل"الحضارة العربية"ترجمة إبراهيم أحمد العدوي ص 119 مكتبة الأنجلو المصرية ط1 القاهرة1956
(6) ابن خلدون المقدمة ص 256 دار القلم بيروت ط 5 - 1984
(7) محمد المنوني ص 254 - 255
(8) المعجب ص 362
(9) أحمد بن محمد المقري"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"ص248 ت إحسان عباس ج3 دار صادر-بيروت 1968
(10) المعجب ج2/ص 196