فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 979

انقضاء كل ساعة صنجة وزنها مائة درهم، تتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعد وتسمى عندهم الفحانة ذكرها العمري في مسالك الأبصار) [1] .

ونموذج آخر يبين روعة الإتقان وما بلغته العقلية الإسلامية إبان عصور الازدهار. إنه ثابوت مصحف عثمان رضي الله عنه، فقد صنعت له أغشية بعضها من السندس وبعضها من الذهب والفضة، واتخذ للغشاء محمل بديع واتخذ للمحمل كرسي ثم اتخذ للجميع ثابوت يصان فيه، وهذا وصف بقلم شاهد عيان أحد أصدقاء ابن رشد وهو أبو بكر بن طفيل يقول: (وله ثابوت المصحف في أحد غواربه باب ركبت عليه دفتان: قد أحكم ارتجاجهما، ويسر بعد الإبهام انفجارهما، ولانفتاح هذا الباب وخروج هذا الكرسي من تلقائه وتركب المحمل عليه ما دبرت الحركات الهندسية( ... ) وانتظمت العجائب المعنوية والحسية ( ... ) وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلا فيه موضع قد أعدله مفتاح لطيف يدخل فيه، فإذا أدخل المفتاح فيه، وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف الدفتين إلى الداخل من تلقائهما وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته ( ... ) فإذا كمل الكرسي بالخروج وكمل المحمل بالتقدم إليه، انغلق الباب برجوع الدفتين إلى موضعهما من تلقائهما. دون أن يمسهما أحد. وترتيب هذه الحركات الأربع على حركة المفتاح فقط دون تكلف أي شيء آخر ( ... ) وصحة هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسببات غائبة عن الحس في باطن الكرسي، وهي ما يدق وصفها ويصعب ذكرها) [2] .

-الحياة العلمية:

لا شك أن المظاهر السابقة ترتكز على بنية علمية متينة في مختلف المجالات، سواء من حيث المناهج، أو التنوع أو التشجيع وانتشار المعاهد من جوامع وكتاتيب ومدارس ومجالس الخلفاء والوزراء.

وقد عرفت المدارس في عهد الموحدين تنوعا مهما فكان منها مثلا: المدرسة العامة لتخريج الموظفين والمدرسة الملكية لتعليم أمراء الموحدين ومدرسة تعليم الملاحة وعرفت انتشارا واسعا لا في المغرب فحسب بل وفي إفريقية والأندلس [3] .

ويذكر صاحب الحلل الموشية نموذجا لمنهاج المدرسة العامة لتخريج الموظفين بمراكش قال فيه: (ووقف عبد المومن الحفاظ صغار الطلبة لحفظ"كتاب الموطأ"هو"كتاب أعز ما يطلب"وغير ذلك من تواليف المهدي. وكان يدخلهم كل يوم جمعة بعد الصلاة داخل القصر، فيجتمع الحفاظ فيه وهم نحو ثلاثة آلاف كأنهم أبناء ليلة من المصامدة وغيرهم. قصد بهم سرعة الحفظ والتربية على ما يريده، فيأخذهم يوما بتعليم الركوب ويوما بالرمي بالقوس، ويوما بالعوم في بحيرة صنعها خارج بستانه مربعة، طول تربيعها نحو ثلاثمائة باع، ويوما يأخذهم بأن يحذقوا على قوارب وزوارق صنعها لهم في تلك البحيرة فتأدبوا بهذه الآداب تارة بالعطاء وتارة بالأدب. وكانت نفقتهم وسائر مئونتهم من عنده، وخيلهم وعددهم كذلك، ولما كمل له هذا المراد فيهم عزل بهم أشياخ المصامدة عن ولاية الأعمال والرئاسة، وقال العلماء: أولى منكم فسلموا لهم) [4] .

وقد ذكر صاحب الإعلام أن عبد المومن أسس عدة مدارس بمراكش واستدعى ابن رشد الحفيد ليستعين به على تنظيمها [5] .

وعرفت المجامع العلمية ازدهارا كبيرا سواء منها مجامع الخلفاء أو الأمراء التي يعقدونها مع أشياخ علماء الموحدين وكبار العلماء من الواردين عليهم من مختلف الجهات والتي كانت حافلة بالمذاكرة والمناظرة في أنواع العلوم: عربية، فقه أصول، طب، فلسفة، وغيرها وكان لكل فن مجلس يفتتح بإلقاء مسألة من العلم يلقيها الخليفة بنفسه أو بإذن بعض الحاضرين وكانت مطبوعة بالنظام والتزام الجد والمحافظة على الآداب، وتختم بالدعاء يدعو الخليفة ويؤمن الوزير [6] .

وكانت العادة أن لا ينتصب للتدريس في الجوامع إلا من انتهت إليه المهارة في العلم والدين في وقته، ويذكر صاحب المعجب أنه كان في قرطبة وحدها ثلاثة آلاف مقلس وكان لا يتقلس عندهم في ذلك الزمان إلا من صلح للفتيا [7] . وكان في حي واحد من أحياء قرطبة 170 امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي [8] .

وعموما فقد (قام في هذه الزاوية الممتازة من العالم تسامح لا تكاد الأزمنة الحديثة تعرض مثيلا له علينا، وذلك أن النصارى واليهود والمسلمين كانوا يتكلمون بلغة واحدة، وينشدون عين الأشعار، ويشتركون في ذات المباحث الأدبية والعلمية وقد زالت جميع الحواجز التي تفصل بين الناس فقد كان الجميع متفقين على الجد في حقل الحضارة المشترك وتغدو مساجد قرطبة، التي كان الطلاب فيها يعدون بالألوف. مراكز فعالة للدراسات الفلسفية والعلمية ... ) [9] . ويروي ياقوت الحموي وهو يتحدث عن بعض جهات الأندلس بأنه قل أن ترى من لا يقول شعرا ولا يعاني أدبا ولو مررت بفلاح خلف فدانه وسألته عن الشعر قرض من ساعته ما اقترحت عليه في أي معنى طلبت منه [10] . ذلك أن اللغة العربية كانت وحدها وسيلة المعارف لجميع الأجناس وكان النصارى واليهود

(1) محمد المنوني ص 111

(2) نفح الطيب ج2/ص410 - 411 - 412

(3) محمد المنوني ص 23

(4) الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية ص: 150 - 151 دار الرشاد الحديثة -الدار البيضاء -1399 - 1979 لمؤلف أندلسي مجهول من القرن الثامن الهجري على ما ذكره المحققان: سهيل زكار وعبد القادر زمامة وذكر المنوني أنه لأبي عبد الله بن أبي المعلى بن السماك، وليس لابن الخطيب كما جاء في الطبعة التونسية (حضارة الموحدين ص: 212) .

(5) نفسه ص 20

(6) نفسه ص 39

(7) المعجب ج1/ص372

(8) نفس المرجع والصفحة

(9) إرنست رينان ت1892م"ابن رشد والرشدية"ص 25 ت عادل زعيتر دار إحياء الكتب العربية، ط1 - القاهرة 1957 م

(10) ياقوت بن عبد الله الحموي ت626"معجم البلدان"ج3/ص357 - 358 دار الفكر بيروت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت