وحتى الاختلاف الوارد بين علماء هذا الشأن إن جاز القول بوجوده يبقى في عمومه على مستوى العبارة بسبب الإجمال أو التفصيل، أو الوقوف عند منطوق الألفاظ أو استيعاب مقاصدها [1] .
وقلت (العلم) رغم عدم وروده في تعريف الشيوخ الثلاثة، لأني رأيت شروط العلم قد اكتملت أو كادت في مقاصد الشريعة من حيث الموضوع، والمبادئ والقواعد، والمسائل والقضايا، والغاية والفوائد، بل وحتى المؤلفات والرجال، والمقاصد اليوم تخصص قائم بذاته في مختلف الجامعات وأقسام الشريعة والدراسات الإسلامية. وقد اعتبره صديق حسن القنوجي (ت1307هـ) منذ أكثر من قرن من الزمان علما [2] رغم أنه لم يجد في مقاصد مختلف فروع الشريعة سوى كتاب"حجة الله البالغة"للشيخ الدهلوي، فكيف بالتراكم الكبير بعده [3] .
(1) يقول الشيخ الطاهر بن عاشورعن المقاصد بأنها:."المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوعٍ خاصٍّ من أحكام الشريعة .."مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، بتحقيق الأستاذ محمد الطاهر الميساوي (الأردن، دار النفائس، وكوالالمبور، دار الفجر، طبعة أولى عام 1999م) ص183 مختصرا. ويقول الأستاذ علال الفاسي، بأن"مقاصد الشريعة": .. الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كلِّ حكم من أحكامهامقاصد الشريعة الإسلاميَّة ومكارمها ( .. دار الغرب الإسلاميِّ، طبعة خامسة، عام 1993م) ص7 مختصرا. ويقول د. قطب مصطفى سانو بأن المقاصد هي: (المعاني والأسرار والأهداف المرادة لله تعالى من الوحي كتابًا وسنَّة، أو هي: مجموع المعاني والغايات والأهداف التي وضعها الشارع من أجل تحقيق مصلحة العباد التي تتمثَّل في جلب كل ما فيه منفعة، ودرء كل ما فيه مفسدة) "في التكامل المنشود بين الفكر المقاصدي ومناهج البحث في العلوم الإنسانية المعاصرة"07/ 10/2004 موقع"الوحدة الإسلامية".
ومما وقفت عليه تعريف محمد حسين فضل الله، يقول عن المقاصد بأنها: (منطلقات الشرع في أحكامه، أو ما يسمى بعلل التشريع أو ملاكاته. وهو ما يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يحققه من أهداف في حياته، من خلال التزامه بهذا الحكم الشرعي أو ذاك( ... ) فمقاصد الشريعة هي الأهداف التي تستهدفها الشريعة، من خلال التشريع)"فقه الحياة"موقع"بينات"حسين فضل الله، وهو من قال بعد استعراض موجز لظهور علم المقاصد معترفا بأسبقية أهل السنة فيه: (ولو جئنا إلى الأوساط العلمية الشيعية لوجدنا أن أصول الفقه وغالبا الفقه الشيعي كان ولا يزال مقفلا أمام التفكير المقاصدي) .
(2) يقول: (علم تبيين المصالح المرعية في كل باب من الابواب الشرعية وهو علم يعرف به حكمة وضع القوانين الدينية وحفظ النسب الشرعية بأسرها وأما موضوعه فهو النظام التشريعي المحمدي الحنفي على صاحبه الصلوة والسلام من حيث المصلحة والمفسدة واما غايته فهو عدم وجدان الحرج فيما قضى الله ورسوله والانقياد التام للاحكام الالهية وكمال الوثوق والاطمئنان بها والمحافظة عليها بحيث تنجذب اليها النفس بالكلية ولا تميل إلى خلاف مسلكها وفي هذا العلم كتاب حجة الله البالغة للشيخ الاجل احمد ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المتوفى سنة الهجرية وقل من صنف فيه أو خاض في تأسيس مبانيه او رتب منه الاصول والفروع او أتى بما يسمن او يغني من جوع كيف ولا تتبين اسراره إلا لمن تمكن في العلوم الشرعية باسرها واستبد بالفنون الالهية عن آخرها ولا يصفو مشربه الا لمن شرح الله صدره لعلم لدني وملأ قلبه بسر وهبي وكان مع ذلك وقاد الطبيعة سيال القريحة حاذقا في التقرير والتحرير بارعا في التوجيه والتحبير وقد عرف كيف يوصل الاصول ويبني عليها الفروع وكيف يمهد القواعد ويأتي لها بشواهد المعقول والمسموع ولماعرف احد اتاه الله منه حظا وجعل له منه نصيبا إلا صاحب الحجة فإنه قدتفرد بالتأليف في هذا العلم وهدى الناس إلى المحجة والله أعلم) ج: 2 ص: 142 - 143
(3) انظر الملحق الخاص بما وقفت عليه من عناوين في علم المقاصد