فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 979

ولا شك أن الاختلاف في فقه الفروع ليس هو الاختلاف العقائدي والسياسي، حيث يظهر أحيانا وكأنه مطلوب لاستيعاب اختلاف الأحوال والبيئات بل وظروف الأشخاص إزالة للحرج وبسطا للرحمة وشعورا من الجميع بما يسعهم من رداء الشريعة. ومع كل ذلك فليس أروع من الإجماع إذا وقع ومن الاختلاف إذا ارتفع، يقول ابن رشد في الاختلاف الكثير الذي وقع في ضم الذهب إلى الفضة في الزكاة وفي صفة الضم من المجيزين له (ويستحيل في عادة التكليف والأمر بالبيان أن يكون في أمثال هذه الأشياء المحتملة حكم مخصوص فيسكت عنه الشارع حتى يكون سكوته سببا لأن يعرض فيه من الاختلاف ما مقداره هذا المقدار والشارع إنما بعث صلى الله عليه وسلم لرفع الاختلاف) [1]

مقصد وجود سلطة زمنية تحفظ الفضائل العلمية والعملية:

وإذا تعذر مقصد الوحدة فلا أقل من وجود سلطة قائمة تقيم من الدين ما لا يقوم بغيرها، ويظهر هذا المقصد من قوله: (ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العملية والعلمية وهي المعبر عنها بالرياسة ولذلك لزم أيضا أن تكون سنن الأئمة والقوام بالدين) فبغير هذه السلطة الزمنية تبقى جل هذه المقاصد معطلة وخصوصا في مستواها الاجتماعي، بل والفردي أيضا في حال وجود نظام تنعدم فيه الحرية ويسود فيه قهر الناس على مناهج وطرق ومذاهب تحارب الفطرة وتهدم الفضائل.

وكما أشار ابن رشد إلى أن بعض الأحكام العملية لا يمكن مباشرتها وإعمالها بغير سلطة مثل إقامة الحدود وفريضة الجهاد والأمن والعدل وعدد من الأحكام، يقول: (قال القاضي رضي الله عنه وينبغي أن تعلم أن الأحكام الشرعية تنقسم قسمين قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا الكتاب هو داخل في هذا القسم وقسم لا يقضي به الحكام وهذا أكثره هو داخل في المندوب إليه وهذا الجنس من الأحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في أواخر كتبهم التي يعرفونها بالجوامع) [2]

قال الله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) النور (56) وقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 188

(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 355

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت