فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 979

بالفضائل، ولهذا رتب الأخلاق في المقاصد الكبرى المرجوة من العبادات والمعاملات ومجمل الدين. وإذا كان هذا ممكنا من جهة النظر، فإنه من الناحية العملية لا بد أن تأخذ المسائل التحسينية موقعها الطبيعي بعد الضروريات [1] والحاجيات ولهذا نجد في"البداية"في هذا المستوى التعبير، بمحاسن الأخلاق، وبالمندوب إليه، وبالأفضل وما في حكم هذه التعابير:

ففي محاسن الأخلاق مثل قوله في الطهارة وإن كان حكمها في الفقه الوجوب إلا أن موقعها من مجمل الدين يمكن ترتيبه في التحسينيات وفي: ) باب محاسن الأخلاق أو من باب المصالح وهذه في الأكثر هي مندوب [2] (وقال في عموم النظافة) معلوم أن المقصود بها النظافة وذلك من محاسن الأخلاق [3] ومثله في المعاملات مثل أحكام الرجوع في الهبة) قال القاضي والرجوع في الهبة ليس من محاسن الأخلاق [4] (

(1) شأن عدد من العلماء والمفكرين يذهب الجابري إلى ضرورة توسيع معاني الضروريات والحاجيات والتحسينيات يقول: (يقول محمد عابد الجابري: (فعلا، إن الأمور الخمسة التي حصر فيها فقهاؤنا القدامى"الضروريات"كانت، وما تزال، وستبقى أمورا ضرورية بالفعل، أي مقاصد أساسية لكل تشريع يستهدف فعلا خدمة مصالح البشر. غير أن مصالح الناس اليوم لم تعد مقصورة على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بل إنها تشمل بالإضافة إلى الأمور الخمسة المذكورة أمورا أخرى نعتقد أنه لا بد من أن ندرج فيها: الحق في حرية التعبير وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين وتغييرهم، والحق في الشغل والخبز والمسكن والملبس، والحق في التعليم والعلاج ... إلى غير ذلك من الحقوق الأساسية للمواطن في المجتمع المعاصر.

أما الحاجيات، فبالإضافة إلى ما ذكره فقهاؤنا القدامى، هناك حاجيات جديدة، مثل الحاجة إلى توفير الصحة والوقاية من الأمراض بإعداد ما يكفي من مستشفيات وغيرها، والحاجة إلى ما لا بد منه لتنشيط الإبداع الفكري في مختلف المجالات العلمية والفنية والنظرية، والحاجة إلى ما لا بد منه لاكتساب معرفة صحيحة بالواقع والأحداث ... أما التحسينيات التي يتطلبها عصرنا، فحدث ولا حرج، كما يقولون. ( ... ) أما الوجه الآخر فيتعلق بما هو ضروري وحاجي وتحسيني وتكميلي بالنسبة إلى الأمة ككل. ولا نعتقد أن هناك من يجادل في أن من ضروريات الوجود القومي المنيع للعرب والمسلمين في العصر الحاضر، قيام حد أدنى من الوحدة بين دولهم، قوامه التخطيط المشترك والتعاون الفعلي والتضامن الحقيقي وصولا إلى أشكال وأنواع من التكتلات الإقليمية التي أصبحت ضرورية في هذا العصر.

ولا نشك في أن جميع العرب والمسلمين ومعهم جميع أحرار العالم، يقرون اليوم بأن من ضروريات استقرار الوجود العربي، بل الوجود العالمي: تحرير فلسطين وتمكين شعبها من تقرير مصيره بنفسه ... ولا نخال أن هناك من يجادل في أن ضروريات التنمية والتقدم في الوطن العربي في العصر الحاضر تتطلب بناء السلطة فيه على أسس ديمقراطية حقيقية، وبناء العلاقات الاجتماعية في كل بلد من بلدانه وقطر من أقطاره على العدالة الاجتماعية.

( ... ) إذا كانت هناك ضرورات عامة خالدة كتلك التي أحصاها فقهاؤنا بالأمس، فإن لكل عصر ضرورياته وحاجياته وتحسينياته ... وهكذا فعندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءا من مقاصد شريعتنا، فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة المتطورة، بل سنكون أيضا قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شعريعتنا نفسها بصورة تضمن لها الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير أو يطرأ من جديد. )

مقال: (عندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءا من مقاصد شريعتنا) محمد عابد الجابري) موقع محمد عابد الجابري) 02 - 03 - 2004

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 54

(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 55

(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 250

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت