في ذلك القدوة للأمة فاشتهر عن أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن أنه كان يحفظ أحد الصحيحين، [1] ونال طلاب الحديث المكانة الكبيرة في دولتهم وبخاصة أيام يعقوب المنصور حيث نال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوا في أيام أبيه وجده، وكان أبو يوسف نفسه يملي جملة من الأحاديث التي جمعها العلماء من كتب السنة ويأخذهم بحفظها ويجعل لمن فعل الجعل السني من الكسا والأموال [2] ، ويعقوب كان يحفظ متون الأحاديث ويتقنها، والمامون كان معدودا من حفاظ الأحاديث .. [3]
وكان من أبرز الأعلام أيضا أبو الحسن علي بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي يعرف بابن القطان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية [4]
وقد ازدهر الفقه على هذا العهد ازدهارا كبيرا وخصوصا في المذهبين الظاهري والمالكي: وكانت فكرة نبذ الفروع والاهتمام بالأصول أحد مميزات الفئة الحاكمة وبعض من شايعها في هذا الاتجاه وكانت هذه (الفكرة متأصلة من ابن تومرت ولكنها لم تظهر إلا على عهد يعقوب، أبرزها ونفذها بالفعل( ... ) حيث أمر برد الناس إلى قراءة الحديث وكتب بذلك إلى طلبة المغرب والأندلس والعدوة .. ) [5] . وذكر صاحب المعجب أن كلا من يوسف وعبد المومن كانا يميلان إلى هذا الرأي، إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب قال:(يشهد لذلك عندي ما أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ ابا بكر بن الجد أنه أخبرهم قال لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا فأي هذه الأقوال هو الحق وأيها يجب أن يأخذ به المقلد.
فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك فقال لي وقطع كلامي يا ابا بكر ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف أو هذا وأشار إلى كتاب سنن أبي داود وكان عن يمينه، أو السيف. فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة العلم أعني علم الحديث مالم ينالوا في أيام أبيه وجده) [6] كما انتعش المذهب الظاهري، وممن انتحل هذا المذهب من المغاربة: أبو الحسن علي بن محمد بن خيار البلنسي الأصل الفاسي (541_605) وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن هارون يعرف بابن الكماد (ت 633) وكذا أبوالخطاب بن دحية الكلبي السبتي
(1) المعجب ج 1 ص 238
(2) نفسه ج1 ص 279 - 280
(3) محمد المنوني ص: 47
(4) نفسه ص: 48
(5) أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) ج1 ص 125 تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري -دار الكتاب-الدار البيضاء 1997 ط 1
(6) المعجب ج: 1 ص: 279