فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 979

بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ناسخة لآية الصلح قال لا يجوز الصلح إلا من ضرورة ومن رأى أن آية الصلح مخصصة لتلك قال الصلح الأعداء، رأى ذلك الإمام وعضد تأويله بفعله ذلك صلى الله عليه وسلم وذلك أن صلحه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية لم يكن لموضع الضرورة.

وأما الشافعي فلما كان الأصل عنده الأمر بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وكان هذا مخصصا عنده بفعله عليه الصلاة والسلام عام الحديبية لم ير أن يزاد على المدة التي صالح عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما من أجاز أن يصالح المسلمون المشركين بأن يعطوا لهم المسلمون شيئا إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة أو غيرها فمصيرا إلى ما روي أنه كان عليه الصلاة والسلام قد هم أن يعطي بعض تمر المدينة لبعض الكفار الذين كانوا في جملة الأحزاب لتخبيبهم.

ففهم العلماء من تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأعداء، أنه اختلف بحسب اختلاف وضعيتهم بين الضعف والقوة وبحسب ما تستوجبه المصلحة وعلى هذا لا معنى للتحديد الذي ذهب إليه الشافعي إذ المسألة خاضعة لتقدير المصالح [1] .

تقسيم أراضي الفتوح:

ففي اختلاف العلماء فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة (قال مالك لا تقسم الأرض وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض) إلى أن قال: (فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة والإقرار بأيديهم وهو الذي فعل عمر رضي الله عنه وإن أسلموا بعد الغلبة عليهم كان مخيرا بين المن عليهم أو قسمتها على ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أعني من المن) [2]

فظاهر قوله تعالى: واعلموا إنما غنمتم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال: 41) أن كل ما غنم يخمس ثم يقسم بين الأصناف المذكورة.

ومن نظر أن الفتوح ستقف يوما ما، وبيت مال المسلمين بحاجة إلى مورد دائم، وأن الأجيال القادمة ستحرم من نصيبها إذا استأثر جيل الفتح بجميع الغنائم، قال بعدم تقسيمها. وبهذا قال عمر - رضي الله عنه - إعمالا للمصلحة، واستئناسا بظاهر قوله تعالى في آية الحشر: (والذين جاءوا من بعدهم .. ) عطفا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء، حيث يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء كما يروى عن عمر في هذه الآية قوله: (ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء أو كلاما هذا معناه) فلم يقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر.

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 284

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 293

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت