فهرس الكتاب
والمقصود إزالة العوارض التي تعوق فهم القاضي لتحقيق العدل والإنصاف، ففي حديث (لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان) قال ابن رشد: (ومثل هذا عند مالك أن يكون عطشانا أو جائعا أو خائفا أو غير ذلك من العوارض التي تعوقه عن الفهم) [1]
وهكذا نقف على جملة من المقاصد تصلح أن تكون مادة للقواعد المقصدية والتي تعبر كل واحدة منها (عن معنى تشريعي عام مستفاد من أدلة الشريعة المختلفة اتجهت إرادة الشارع إلى إقامتها من خلال الأحكام) [2] والتي لا ينفي تمييزها أن يجتمع في بعض قواعدها الوصف المقاصدي والفقهي، أو الوصف المقاصدي والأصولي في آن واحد.
كيف تعرف المقاصد والمصالح المعتبرة؟
قال ابن رشد في فصل المقال بأن على الناظر (أن يعمد إلى الكتاب العزيز فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة في شيء شيء مما كلفنا اعتقاده) [3] ومن ذلك من غير شك ما نعتقده بأنه مقصود الشارع، إذ لا يعرف إلا بتتبع كلامه وما في حكمه من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فنجده في"البداية"يشير إلى منهج استقراء نصوص القرآن والسنة ومجمل الأدلة للوقوف على المقاصد، حيث علم العلماء مثلا بأن المقصود لم يكن تعليق التحريم بأعيان الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي حية وإنما علق بها بعد الموت، وذلك لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل الحديث الوارد في الباب.
يقول: (قالوا فلما علم أن المقصود لم يكن تعليق التحريم بأعيان هذه وهي حية وإنما علق بها بعد الموت لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة وجب أن يكون قوله إلا ما ذكيتم استثناء منقطعا) [4]
ومثاله تحديد مقصد السهمة انطلاقا مما ورد في الآيتين والحديث يقول: (والسهمة إنما جعلها الفقهاء في القسمة تطييبا لنفوس المتقاسمين وهي موجودة في الشرع في مواضع منها قوله تعالى:(فساهم فكان من المدحضين) وقوله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق) [5] .
فتتبع كلام العرب يجعلنا نقف على مقاصدهم اللغوية، وكذا تتبع كلام الشارع يجعلنا نقف على مقاصد الشرع. وعلى هذا سار العلماء قديما وحديثا.
وقد سلك الشيخ ابن عاشور مثلا في زماننا هذا السبيل لاستخلاص جملة من المقاصد بتتبع ما ورد في كتاب الله من ذلك، فالمقصد القرآني الأسمى عنده: (صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية) وأما المقاصد الأصلية-التى تندرج ضرورة تحت المقصد الأعلى الجامع - فهى حسب استقرائه ثمانية يمكن أن نلخصها فى:
1 -إصلاح الاعتقاد .. وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
2 -تهذيب الأخلاق.
3 -التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة.
4 -سياسة الأمة .. وفيه صلاح الأمة وحفظ نظامها.
5 -القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسى بصالح أحوالهم، وللتحذير من مساويهم.
6 -التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقى الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار.
7 -المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
8 -الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول. [6]
الأحكام بين التعبد والتعليل
الجذور الفلسفية:
يقول ابن رشد في"الضروري في السياسة"عن اعتقاد من يقدم آراءهم من فلاسفة اليونان) وبين أن الخير والشر والنافع والضار والحسن والقبيح، هو في اعتقاد هؤلاء الناس جميعا شيء يوجد بالطبع لا بالوضع. وذلك أن كل ما يؤدي إلى الغاية فهو خير وحسن، وكل ما يعيق الوصول إليها فهو شر وقبيح. ) [7] ثم يعلق ابن رشد بما يفيد تبنيه لهذا الطرح أي وجود الحسن والقبح في طبيعة الأشياء بشكل ذاتي، تستطيع العقول المجردة التوصل إلى إدراكه، بل يعتبر الأمر أصلا عندهم في الأندلس وغالبا على علمائها اعتقاده، ويستثني رأي الأشاعرة من هذا المعنى.
يقول: (ويظهر هذا في أمر هذه الشرائع، وخاصة شريعتنا هذه. وكثير من أهل بلدنا [8] يرون هذا الرأي في شريعتنا هذه) [9] ثم يشير إلى قول الأشاعرة بأنه لا
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 355
(2) عن: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضاً ودراسة وتحليلاً، المؤلف: د. عبد الرحمن بن إبراهيم الكيلاني، الناشر: المعهد العالمي للفكرالإسلامي / دار الفكر بدمشق عن موقع: islamtoday.
(3) فصل المقال: ص: 37 ونفس المنهج نجده اعتمده في"الكشف عن مناهج الأدلة"في استنباط دليلي: العناية والاختراع، حيث قال فيهما: (الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها، ودعا الكل من بابها إذا استقرئ الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين:( ... ) دليل العناية، و ( ... ) دليل الاختراع).
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 322
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 201
(6) ابن عاشور، محمد الطاهر؛ التحرير والتنوير(تونس: دار سمنون للنشر والتوزيع
(7) الضروري في السياسة: ص: 144
(8) قال د محمد عابد الجابري في تعليقه في هامش الكتاب المترجم: (أما الرأي الذي يقول عنه ابن رشد إنه شائع في الأندلس فيرجع إلى ابن حزم الذي قال بأن الحسن والقبح ذاتيين في الأشياء على غرار ما تقول به الفلاسفة) ص: 144 وأقول: الذي ظهر لي أن الأمر عند ابن حزم ليس على إطلاقه، وليس بالشكل الذي يراد له في السياق، فابن حزم يميز بين حقيقة الأشياء في ذاتها، وبين حكم القيمة الذي نعطيه لها، فمثلا الكذب يبقى كذبا وكل من أخبر بخبر بخلاف ما هو فهو كاذب، وكذا يقال في العجز والجهل وما يشبه هذا، غير أن تدخل ذواتنا بالقول هذا ظلم وهذا حلال وهذا حرام وهذا حسن أو قبيح يحتاج إلى تزكية الشرع. ولهذا نجد عنده التعابير التالية: (ليس في العالم ظلم لعينه ولا بذاته البتة وإنما الظلم بالإضافة فيكون قتل زيد إذا نهى الله عنه ظلما وقتله إذا أمر الله بقتله عدلا وأما الكذب فهو كذب لعينه وبذاته فكل من أخبر بخبر بخلاف ما هو فهو كاذب إلا أنه لا يكون ذلك إثما ولا مذموما إلا حيث أوجب الله تعالى فيه الإثم والذم( ... ) وكذلك القول في الجهل والعجز أنهما جعل لعينه وعجز لعينه فكل من لم يعلم شيئا فهو جاهل به ولا بد وكل من لم يقدر على شيء فهو عاجز عنه ولا بد. ) (الفصل في الملل والأهواء والنحل ج: 3 ص: 44 - دار النشر:: مكتبة الخانجي - مدينة النشر:: القاهرة - عدد الأجزاء:: 5: ) ويقول أيضا بخصوص المدح والذم (لا يستحق أحد مدحا ولا ذما إلا من مدحه الله تعالى أو ذمه وقد أمرنا الله تعالى بحمده والثناء عليه فهو عز وجل محمود على كل ما فعله محبوب لذلك وأما من دونه تعالى فمن حمد الله تعالى فعله الذي أظهره فيه فهو ممدوح محمود ومن ذم عز وجل فعله الذي أظهره فيه فهو مذموم ولا مزيد) (ج: 3 ص: 42) وأيضا قوله بشكل واضح وصريح (لا نقبح إلا ما قبح الله تعالى ولا نحسن إلا ما حسن الله تعالى) (ج: 3 ص: 41)
(9) الضروري في السياسة: ص: 144