فهرس الكتاب
بطريق التواتر، من الاعتراف بالكمال الإلهي وعدالة شريعته، يكون بعده التسليم للشرع في التحسين والتقبيح، فما حسنه حسن وما قبحه قبيح، وما سكت عنه يعرض على الأصول العامة ويكون محط اجتهاد يقوى القبول به حسب قربه أو بعده من الأصول. ولم يبق بعد للمناقشة النظرية في الحسن والقبح كبير غناء.
الانحياز الكامل لمبدأ التعليل على مستوى التطبيق الفقهي في العبادات والمعاملات:
فحسب ابن رشد هناك علاقة وثيقة بين تعليل الأحكام وإدراك وإعمال المصالح، فالأحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الأخلاق أو من باب المصالح: يقول في حكم إزالة النجاسات: (والسبب الثالث اختلافهم في الأمر والنهي الوارد لعلة معقولة المعنى هل تلك العلة المفهومة من ذلك الأمر أو النهي قرينة تنقل الأمر من الوجوب إلى الندب والنهي من الحظر إلى الكراهة أم ليست قرينة وأنه لا فرق في ذلك بين العبادة المعقولة وغير المعقولة؟ وإنما صار من صار إلى الفرق في ذلك لأن الأحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الأخلاق أو من باب المصالح وهذه في الأكثر هي مندوب) [1]
وأمر التعليل ليس خاصا بالمعاملات بل إن المصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة، يقول في مسح الرأس وغسل القدمين (ولكن من طريق المعنى الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالبا إلا بالغسل وينقى دنس الرأس بالمسح وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معنيين معنى مصلحيا ومعنى عباديا) [2]
الفرق بين التعليل والقول بالتعبد:
والفرق بين التعليل والقول بالتعبد هو أن التعليل يفتح باب الاجتهاد والقياس واعتبار المصالح فالأحكام كما يقول ابن رشد (يجب أن توجد مع وجود عللها) [3] بينما ادعاء أمر بأنه عبادة يغلق باب ذلك كله ولا يبقي غير نية التقرب والأجر والثواب، فما كان (عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها) [4] ، وابن رشد اعتبر لجوء بعض الفقهاء إلى هذا المسلك وادعاء التعبد [5] ، قد يكون أحيانا فرارا من
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 54
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 11
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 274
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 14
(5) يقول الخرشي في شرح مختصر خليل: (التعبدات الأحكام التي لا علة لها بحال وهو قول الفقهاء , وأما على قول أكثر الأصوليين فهي الأحكام التي لم يقم على إدراك علتها دليل لا التي لا علة لها في نفس الأمر بل كل حكم له علة في نفس الأمر ارتبط بها شرعا تفضلا لا عقلا ولا وجوبا) شرح مختصر خليل للخرشي ج 1 ص 133.
ويقول الشيخ بديع الزمان النورسي في"رسائل النور"موضحا الفرق بين القول بالتعبد والتعليل (يطلق على قسم من المسائل الشرعية اسم"المسائل التعبدية"هذا القسم لايرتبط بمحاكمات عقلية، ويُفعل كما اُمر، اذ ان علّته هو الامر الإلهي.
ويعبّر عن القسم الآخر بـ"معقول المعنى"أي ان له حكمة ومصلحة، صارت مرجّحة لتشريع ذلك الحكم. ولكن ليست سبباً ولاعلة. لأن العلّة الحقيقية هي الأمر والنهي الإلهي.
فالقسم التعبدي من الشعائر لاتغيّره الحكمة والمصلحة قطعاً، لأن جهة التعبّد فيه هي التي تترجح، لذا لايمكن ان يُتدخل فيه او يمس بشئ، حتى لو وجدت مائة ألف مصلحة وحكمة، فلا يمكن ان تغيّر منها شئ. وكذلك لايمكن ان يقال: إن فوائد
الشعائر؛ هي المصالح المعلومة وحدها. فهذا مفهوم خطأ، بل ان تلك المصالح المعلومة، ربما هي فائدة واحدة من بين حكمها الكثيرة.
فمثلاً: لو قال أحدهم: ان الحكمة من الأذان هي دعوة المسلمين الى الصلاة، فاذاً يكفي ـ بهذه الحالة ـ اطلاق طلقة من بندقية! ولايعرف ذلك الأبله ان دعوة المسلمين هي مصلحة واحدة من بين ألوف المصالح في الأذان. حتى لو اعطى ذلك الصوت تلك المصلحة فانه لايسدّ مسدّ الأذان الذي هو وسيلة لاعلان التوحيد الذي هو النتيجة العظمى لخلق العالم، وخلق نوع البشر. وواسطة لاظهار العبودية ازاء الربوبية الإلهية باسم الناس في تلك البلدة او باسم البشرية قاطبة. (بديع الزمان النورسي-المكتوب التاسع والعشرون - ص: 511 - 512)