فهرس الكتاب
مقاصد المكلفين والنظر في المآلات:
أكثر ما أورد ابن رشد لفظ المآل بشكل مباشر، كان فيما يؤول إليه الخلاف الواقع بين العلماء، بحيث يجتهد في إيجاد السبب الحقيقي للخلاف الواقع، مثل قوله: ) فإذا الخلاف بينهم آيل إلى أن المستثنى الذي ورد به اللفظ) [1] وقوله: (والخلاف آيل إلى هل تؤم المرأة أو لا تؤم) [2] ثم تحدث عنه بخصوص التصنيف وترتيب الكتب والمسائل الفقهية (مثل إدخال المالكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب الاقتضاء في السلف ولكن لما كان الفاسد منها يؤول إلى أحد هذين الأصلين أعني إلى صرف بنسيئة أو بتفاضل أدخلوها في هذا الكتاب) [3]
وأما بخصوص الأحكام، فذكر المآل باللفظ في ثلاث مواطن، وهي عند قوله: (حديث عبادة [4] اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة وهذا يقتضي بظاهره حال العقد لا حال المآل) [5] فأشار هنا إلى أمر مهم ميز فيه بين حال العقد وبين مآله. فقد تكون البداية سليمة أو بالأحرى ظاهرها كذلك غير أن ما يؤول إليه العقد لا يكون منسجما ومقاصد الشرع.
ثم أورده في حد الحرابة وما يتعلق بأهل البغي حيث قال: (وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل واختلف قول مالك في التكفير بالمآل. ومعنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم) [6]
والموضع الثالث يخص تنفيذ حكم القصاص في الجراح على الجاني هل يكون على الفور أو يؤجل إلى حين معرفة مآل الجرح هل يصير على شفاء أو إتلاف النفس، فيتغير حكمه بحسب المآل، يقول ابن رشد: (وأما متى يستقاد من الجرح فعند مالك أنه لا يستقاد من جرح إلا بعد اندماله وعند الشافعي على الفور فالشافعي تمسك بالظاهر ومالك رأى أن يعتبر ما يؤول إليه أمر الجرح مخافة أن يقضي إلى إتلاف النفس) فسجل لمالك أخذه في بعض الأحكام بمآلاتها.
أما بخصوص ما يمكن أن يستنبط أو يفهم من السياق أخذه بالمآل فكثير، سواء تم ربط الحكم بظهور قصد المكلف، أو بما يحتمل حدوثه بحسب العادة، أو بما يؤول إليه في غالب الأحوال حيث يدخل سد الذرائع، أو بما قد يرجع إلى العرف.
فنجد اختلاف الأحكام باختلاف مقاصد المكلفين: فقد اختلف العلماء (إذا قال السيد لعبده أنت سائبة فقال مالك ولاؤه وعقله للمسلمين وجعله بمنزلة من أعتق عن
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 76
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 80
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147
(4) وحديث عبادة هو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى (بداية المجتهد ج: 2 ص: 97)
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 104
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 343