بقطعها [1] سداً لذريعة الشرك. وقال: إنما أهلك من كان قبلكم تتبعهم لآثار أنبيائهم. ولما فتح المسلمون بلاد تَسْتُر في المشرق وجدوا سريراً عليه ميت يزعمون أنه دانيال النبي وكانوا يتبركون به ويستسقون به المطر. فأمر الخليفة رضي الله عنه بأن يحفر ثلاثة عشر قبراً في المقبرة ويدفن ليلاً في واحدٍ منها حتى يخفى على الناس مكان قبره [2] ليسد عليهم وسيلة الشرك بالتعلق بهذا القبر والتبرك به.
وفي سنن البيهقي وغيره: (عن أبي إسحاق عن العالية قالت: كنت قاعدة عند عائشة رضي الله عنها فأتتها أم محبة فقالت لها يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم قالت نعم قالت فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمائة نسيئة وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمائة نقدا فقالت لها بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب) [3] فرأت عائشة رضي الله عنها أن ما ظاهره بيع وشراء سليم يفضي إلى الربا لوجود الدين.
أخذ عدد من أئمة المذاهب بسد الذرائع:
وأوسعهم في ذلك مالك بن أنس رحمه الله يليه الإمام أحمد بن حنبل، وتوسط فيه الشافعي فيقبله مرة ويرفضه أخرى، ورفضه الأحناف والظاهرية.
ومن يرجع إلى الموطأ يقف على عدد من المواطن استعمل فيها مالك سد الذرائع في عدد من اجتهاداته، من ذلك: (قال مالك من راطل ذهبا بذهب أو ورقا بورق فكان بين الذهبين فضل مثقال فأعطى صاحبه قيمته من الورق أو من غيرها فلا يأخذه فإن ذلك قبيح وذريعة إلى الربا( ... ) قال مالك ولو أنه باعه ذلك المثقال مفردا ليس معه غيره لم يأخذه بعشر الثمن الذي أخذه به لأن يجوز له البيع فذلك الذريعة إلى إحلال الحرام والأمر المنهي عنه) [4]
وفي موضع آخر: (قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا ان من استسلف شيئا من الحيوان بصفة وتحلية معلومة فإنه لا بأس بذلك وعليه ان يرد مثله الا ما كان من الولائد فإنه يخاف في ذلك الذريعة إلى إحلال ما لا يحل فلا يصلح) [5]
وبخصوص الإمام أحمد يقول القرطبي في أحكامه: (التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه) [6] ويظهر ذلك جليا في أتباعه وخصوصا منهم المتأخرين كابن تيمية الذي كتب كتابا في
(1) ابن تيمية:"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة اصحاب الجحيم": ج: 1 ص: 386 تحقيق محمد حامد الفقي- مطبعة السنة المحمدية- القاهرة ط: 2 - 1369 هـ
(2) ابن تيمية:"كتاب دقائق التفسير"ج: 2 ص: 151 - تحقيق محمد السيد الجليند- مؤسسة علوم القرآن- دمشق- ط: 2 - 1404هـ.
(3) سنن البيهقي الكبرى: ج: 5 ص: 331
(4) حديث 1309 ج: 2 ص: 638
(5) حديث 1364 ج: 2 ص: 682
(6) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 57