الموضوع [1] وابن القيم الذي انتصر له في إعلام الموقعين، يقول رحمه الله:"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها؛ كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات، والمعاصي في كراهتها، والمنع منها، بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليها، فإنه يحرمها، ويمنع منها؛ تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه."
ولو أباح الوسائل المفضية والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى تأبى ذلك كل الإباء" [2] . ويقول أيضا: (فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له ومنعًا أن نقرب حماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم وإغراءً للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء بل سياسة زعماء الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد منتاقضًا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. [3] "
أما الشافعي فنجده يقبل به في مثل قوله: (ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى، قال الشافعي فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام) [4]
وفي موضع آخر يرى أن القاضي لا ينبغي أن يقبل شهادة اهل البدع والأهواء الذين يرون استحلال دم ومال المشهود عليه، وذلك أنه (باستحلال لمال المشهود عليه أو دمه ذلك من الوجوه التي يطلب بها الذريعة إلى منفعة المشهود له أو نكاية المشهود عليه استحلالا لم تجز شهادته في شيء) [5]
وفي موضع آخر يعبر عن رفضه الأخذ بالذرائع متى تأكد بالدلالة حكم من الأحكام حيث يقول: (وما وصفت من حكم الله ثم حكم رسوله صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين أن جاءت به المتلاعنة على النعت المكروه يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع فإذا أبطل الأقوى من الدلائل أبطل له الأضعف من الذرائع كلها وأبطل الحد في التعريض بالدلالة) [6]
(1) يقول رحمه الله: (وقد بسطنا الكلام على قاعدة ابطال الحيل وسد الذرائع في كتاب كبير مفرد وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة واجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) فتاوى ابن تيمية: ج: 20 ص: 349
(2) إعلام الموقعين: ج: 3 ص: 173
(3) إعلام الموقعين عن رب العالمين: ج: 3 ص: 147
(4) الأم: ج: 4 ص: 49
(5) الأم: ج: 4 ص: 221
(6) الأم ج: 7 ص: 97