فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 979

وفي"البداية"وكأن ابن رشد يوافقه فهو بعد بيان بعض أنواع البيوع التي يمنعها مالك سدا للذريعة، بينما يجيزها الشافعي، يقول: (وبه قال الشافعية والثوري وحجتهم أن بالإقالة قد ملك رأس ماله فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب والظن الرديء بالمسلمين غير جائز) [1] وفي موضع آخر من"البداية"أورد قول الشافعي (وحمل الناس على التهم لا يجوز) [2]

وأما الحنفية والظاهرية فقد عبروا عن رفضهم لهذا المسلك في الاستدلال، يقول محمد بن الحسن الشيباني: (وقال محمد وكيف كرهتم هذا؟ قالوا لان هذا يشبه ما نهى عنه من البيع والسلف في ذلك ذريعة الى البيع والسلف قيل لأهل المدينة ما هذا ذريعة الى شيء وما تبطلون بيوع الناس وصلحهم الا بالظنون وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلح جائز بين الناس الا صلحا احل حراما أو حرم حلالا فهذا صلح اصطلحا عليه ان يأخذ بعض سلمه وبعض رأس ماله وليس بصلح احل حراما وحرم حلالا) [3]

وفي موضع آخر يقول: (قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار الى اجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعنى سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين الى اجل ان هذا جائز لانهما لم يشترطا شيئا ولم يذكرا امرا يفسد به الشراء وقال أهل المدينة لا يصلح هذا قال محمد ولم لا يصلح هذا أرأيتم من كان له على رجل دين فقد حرم الله عليه ان يبيعه منه شيئا يربح عليه فيه قالوا لأنا نخاف ان يكون هذا ذريعة الى الربا قيل لهم وانتم تبطلون بيوع الناس بالتخوف ما تظنون شرط اشترطه ولا بيع فاسد معروف فساده( ... )

إلى أن يقول (فباي وجه ابطلتم بيعه ينبغي لكم ان تقولوا من كان له على رجل دين فليس ينبغي له ان يبايعه بشيء يربح عليه فيه، فاي امر اقبح من هذا ان رجلا يعامل الناس له عليهم ديون انه لا يجوز ان يبيع منه متاعا ولا جارية ولا شيئا يربح عليه فيه ما ينبغي ان يسقط هذا على مثلكم ولا ينبغي ان تبطل البيوع بالظنون والظن يخطيء ويصيب) [4]

وبخصوص الظاهرية يقول ابن حزم في بعض الفروع: (وقال مالك كل ذلك في المسجد أفضل إلا بعد الجمعة فإنه كره التطوع في المسجد بعد الجمعة واحتج بعض أصحابه بأن هذا خوف الذريعة في أن يقضيها أهل البدع الذين لا يعتدون بالصلاة مع الأئمة، قال علي وهذا غاية في الفساد من القول لأن المبتدع يفعل مثل ذلك أيضا في مساجد الجماعات بسائر الصلوات ولا فرق) [5] ثم يقول في الإحكام معمما حكمه وموقفه من أصل المبدأ (ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح أنه يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال وهم لا يقولون بشيء من ذلك وهذا نقض لأصولهم في الحكم بالاحتياط ورفع الذريعة والتهمة) [6]

نخلص من هذا إلى أن سد الذرائع ليس خاصا بالمالكية وإن عرف عنهم التوسع فيه، يقول القرافي هذا الشأن(وأما الذرائع فقد أجمعت الأمة على أنها على ثلاثة أقسام.

أحدها معتبر إجماعا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ.

وثانيها ملغى إجماعا كزراعة العنب فإنه لا يمنع خشية الخمر والشركة في سكنى الآدر خشية الزنا.

وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال اعتبرنا نحن الذريعة فيها وخالفنا غيرنا.

فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا. ) [7]

فالذرائع إنما تحرم إذا كانت تفضي إلى محرم، أما ما كان فيه تردد في إفضائه إلى الحرام أو تساوى فيه الاحتمالان؟ فهو محل اجتهاد بإعمال قاعدة الذرائع او عدم إعمالها. وأما الذرائع الضعيفة والتهمة البعيدة، فلا شك أن إعمالها فيه تضييق وتشديد. ولم يخف كثير من المعاصرين تبرمهم من التوسع في إعمال هذه القاعدة وخصوصا عند المتأخرين من أهل بعض المذاهب، مما أدى إلى إفراز آراء يظهر فيها العنت والبعد عن سماحة الشريعة وتيسيرها.

وكثير أيضا من المعاصرين من يدعون إلى فتح الذرائع عوض الحديث فقط عن سدها، وليس يقصد فتح ما سدته الشريعة من ذرائع على الممنوع، وإنما هو تعبير جديد عن معنى قديم يعرف من قاعدة"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"و"ما لا يتم المباح إلا به فهو مباح" [8] ، وكذا هو رد فعل طبيعي للمبالغة في سد الذرائع. والأصل التوسط كما هو توجيه الدين في معظم الأمور.

يقول ابن عاشور:"إنَّ الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها". [9] ولم أجد من القدماء من تحدث في الذرائع عن مسألة فتحها إلا ما كان من القرافي

(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 156

(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 106

(3) أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (ت 189) "الحجة على أهل المدينة"ج: 2 ص: 595 تحقيق مهدي حسن الكيلاني القادري - عالم الكتب:: بيروت الطبعة:: الثالثة 1403 عدد الأجزاء:: 4

(4) ج: 2 ص: 694 - 695

(5) المحلى ج: 3 ص: 41

(6) الإحكام لابن حزم ج: 6 ص: 187

(7) القرافي:"تنقيح الفصول في علم الأصول": بداية مبحث سد الذرائع ص: 448 - 449

(8) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ج: 29 ص: 70.

(9) مقاصد الشريعة ص369

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت