هاتان اثنتان، والزهراء ثالثة ... والعلم أعظم شيء هو رابعها
ويذكر المقري عنها قوله: (اعلم أنه لعظم أمر قرطبة كان عملها حجة بالمغرب حتى إنهم يقولون في الأحكام هذا مما جرى به عمل قرطبة) [1] فنبت بين قوم عمالقة في تخصصات عديدة.
_شيوخه:
أخذ ابن رشد الحفيد عن شيوخ كثيرين وخالط عددا كبيرا من العلماء ممن كانت تعج بهم قرطبة وإشبيلية وسائر بلاد الأندلس فكان لهم جميعا مشاركة في تكوينه وتخريجه والتأثير فيه. ولكي تتضح صورة متانة التكوين العلمي الذي حظي به ابن رشد نذكر أجل هؤلاء الشيوخ وأوسعهم علما وشهرة، ذلك أن معظم الذين درس عليهم ابن رشد الحفيد كانوا تلاميذ جده كما أن مؤلفات جده في علم الكلام والفقه كانت مصدرا للحفيد ليس فقط في العلوم الإسلامية وإنما أيضا في كتاباته الفلسفية. يقول رينان عن الجد: (كان جده فقيها مشهورا في المذهب المالكي، له مجموعة ضخمة من الفتاوى( ... ) ويتخيل إلى الناظر في صفحات هذا الكتاب الطريف أنه يلمس أصول فكر الشارح) [2] .
_ابن رشد الجد:
هو محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن رشد يكنى أبا الوليد ولد في شهر شوال من سنة 450هـ واشتهر بابن رشد الجد تمييزا له عن الحفيد وبابن رشد الأكبر تمييزا له عن ابن رشد الأصغر وبابن رشد الفقيه تمييزا له عن ابن رشد الفيلسوف. وأطلق عليه الفقهاء في مذهب مالك"ابن رشد"فإذا نقلوا عنه أو رجحوا قوله أو ذكروا رأيه وأثبتوه فهم يعنونه ولا يقصدون غيره [3] . وقد قرب للناس المذهب المالكي أحسن تقريب. قال صاحب نفح الطيب: (قرب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريبا لم يسبق إليه) [4]
كان أبوه أحمد بن أحمد بن محمد عالما جليلا معدودا في الثقاة ومحسوبا من العدول عاش مع ابنه 32 سنة فكان معلمه الأول ولم يكن لابن رشد الجد رحلة خارج الأندلس بل اكتفى بقرطبة وكان في بيته ومدينته ما يغنيه، فحفظ القرآن الكريم وبعض كتب الحديث وتعلم العربية والأدب وانتقل إلى الفقه ودرس أصول الفقه وأصول الدين وأخذ التاريخ والأخبار واطلع على مسائل الخلاف، وأسباب الاختلاف وعرف معاقد الإجماع ومواطن الاتفاق وقرأ التفسير وشرح الحديث وتعلم علم الفرائض. وبالجملة فقد أخذ العلوم الإسلامية وأتقن فروعها وتخرج على أيدي المهرة من شيوخها [5] .
ولقد تتلمذ لشيوخ عديدين، منهم: أحمد بن محمد بن رزق الأموي (ت 477هـ) تلميذ ابن عبد البر (ت 463هـ) . حيث تأثر به ابن رشد الجد في الفقه وفي
(1) نفح الطيب ج2/ص351
(2) إرنست رينان (ابن رشد والرشدية) ص32
(3) المختار بن الطاهر التليلي (ابن رشد وكتابه المقدمات) ص145
(4) ج: 5 ص: 346
(5) (ابن رشد وكتابه المقدمات) ص 150