فهرس الكتاب
حالة ما يقارب ألفا وثمانمائة حديث واردة في"البداية"، ولم يخطئ ابن رشد إلا في تسعين منها، وهي نسبة على فرض التسليم بصحة كل ما قاله في ذلك، تبقى نسبة ضعيفة لا تتعدى 5%، من مجموع الأحاديث.
_وأما بخصوص المذاهب وآراء الفقهاء، فبالإضافة إلى تبرئة ابن رشد نفسه بتوضيح مصادر مادته وخصوصا إحالته على"الاستذكار"، فقد تتبع أحد المعاصرين أقوال المذاهب فيه حيث صحح نسبة الأقوال إلى أصحابها وبين الأخطاء الواقعة في ذلك حسب رأيه واجتهاده. وكانت ملاحظاته محدودة بالنظر إلى حجم الكتاب والعدد الكبير من الأقوال والآراء وهي في مجموعها لا تتعدى سبعة وأربعين موطنا، أي بنسبة لا تتعدى 3. 13 %.
وإذا ساد الاطمئنان في شأن آيات وأحاديث الأحكام وآراء ومذاهب العلماء، لم يبق من مادة الكتاب في الغالب الأعم، سوى آراء ابن رشد وانتقاداته وترجيحاته.
_وبخصوص المنهجية المتبعة في كتاب"البداية"، وبعد أن قمت بمقارنات بينها وبين عدد من أمهات المذاهب ممن تعرض أصحابها للخلاف: كالاستذكار لابن عبد البر وشرح معاني الآثار للطحاوي والمحلى لابن حزم والمنتقى للباجي والمغني لابن قدامة والمجموع للنووي، انتهيت إلى أن ابن رشد كان أكثر تحررا من غيره، والأقدر على التسوية بين المذاهب وتوفير ظروف تكافؤ الفرص بينها في عرض أدلتها وبسط براهينها، والأقدر أيضا على الترجيح بينها من غير ضغط نفسية الانتساب لأحدها، أو قيد شرح أحد متونها.
_ولهذا نجده في المسألة الفقهية التي تم اختيارها موضوعا للمقارنة كان وحده الذي ناصر مذهبا غير مذهبه الرسمي. كما جاء كلامه رغم اختصاره مقارنة بغيره كافيا لمقصوده، جمع فيه ما تشتت في غيره وصار على طريقة واضحة بدأ فيها بالأصول أي: عرض الآيات والحديث ومواطن الإجماع والاتفاق وأصول الباب ثم المسألة موضع الخلاف والأقوال الواردة فيها والأدلة المعتمدة ثم مناقشتها والترجيح بينها. كل ذلك في موضوعية تامة وأدب رفيع وتعامل بتجرد كبير. يصلح معه الكتاب بذلك أن يكون سلما نحو اقتحام الاجتهاد.
_ولهذا أمكننا القول: إذا كان أصحاب الكتب موضع المقارنة أئمة في مذاهبهم فابن رشد كانا إماما بحق في الفقه المقارن.
_ومن خلال تتبع الأغراض التي وضع لها كتاب بداية المجتهد وكفاية المقتصد، وجدت: العناية بأمر التأصيل، والاشتغال بإصلاح التعليم الفقهي، بالاهتمام بالاستدلال، والتدرب على استنباط المسكوت عنه، من المنطوق به وتنظيم المعلومات، لتسهيل الضبط، والاستيعاب، ووضع قوانين، ودساتير للقول الفقهي وصولا إلى فهم الخلاف الفقهي، وترسيخ التسامح المذهبي، كل ذلك تمهيدا لولوج باب الاجتهاد.
_ وقد استحضر ابن رشد الحس التعليمي، وهو يعرض مادة كتابه، حيث اعتمد التدرج، والانتقال من الإجمال إلى التفصيل، ومن السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، واهتم بضرب الأمثلة وحسن التمثيل، وتلخيص المقصود، والاهتمام