فهرس الكتاب

الصفحة 976 من 979

بالشرح والتفسير، وحسن توظيف السؤال، وإشراك القارئ، والسير به وفق المعتاد من طريقة الفقهاء. فهو يعتمد توضيح ما يراه في حاجة إلى ذلك من الآراء الفقهية بضرب الأمثلة المناسبة.

_كما حرص ابن رشد على الموضوعية، وعدم إطلاق الأحكام، وسادت عنده الروح العلمية النقدية، والطابع المنطقي لتسلسل الأفكار.

_ وأما من جهة الأسلوب فألفاظه دقيقة واضحة تناسب المجال الفقهي وإن كانت أحيانا تعلوها مسحة أدبية رفيعة، وتراكيبه رصينة متأنية تجيء مع الألفاظ على قدر المعاني، ولا يشعر القارىء بأي تكلف بل يجد أسلوبا مرنا سهلا محكما خاليا من التعقيد، فصاحب"البداية"يتجنب الإطالة المملة، والاختصار المخل بالمعنى، وإذا أسهب أحيانا لانت ألفاظه وتراكيبه وتبقى شخصيته قوية وبارزة تصاحبك طول الكتاب لا يغمرها تعدد الأقوال وكثرة الآراء.

_ويستعير أحيانا تعابير ذات منحى فلسفي كما يحيل أسلوبه على مرجعية كلامية وعلى شخصية متبحرة في علوم شتى، تشرب عدة مفاهيم، وأحسن توظيفها بحسب ما يقتضيه المقام.

_فلم يكن ابن رشد مبدعا فقط على مستوى الآراء والأفكار والمنهج وطريقة وضع كتابه، وإنما كان أيضا مبدعا في أسلوبه وطريقة تعبيره واختيار ألفاظه ومصطلحاته ونحت تراكيب جديدة في المجال الفقهي والأصولي، أو المجيء بها إليه من مجالات أخرى، حيث تنساب فيه من غير أن تبدو غريبة عن مجاله.

_ وبخصوص حقيقة الاجتهاد ومع جولة في الجذور اللغوية وكأني بالمجتهد وعملية الاجتهاد برمتها، في حاجة على تلك المعاني جميعا: فالاجتهاد بحاجة إلى الدليل القوي حتى يستند إلى أرض صلبة، ولا بد فيه أيضا من الاحتياط من مجانبة الصواب قدر الإمكان.

_والمجتهد يستخرج الحكم من الدليل، ولا يعمل في سرية أو خفاء إنما أمره واضح وبارز وظاهر للعيان، يعلم بقوله العلماء بل وأحيانا عموم الناس، وهو في كل هذا بحاجة لبذل الوسع والطاقة والجهد حتى يفوز بالأجرين. ولأمر ما اجتمع الاجتهاد والجهاد في أصول مشتركة، غير أن الأول أظهر في الفكر والثاني أظهر في العمل. وهما سبيلان للفوز والنجاح.

_والاجتهاد خارج الأصول وبدونها، اجتهاد مردود وغير معتبر لا يقيم له عموم المسلمين وزنا فضلا عن علمائهم. وهو الاجتهاد الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد وقد استخلص العلماء ضوابط للاجتهاد، وشروطا لازمة في حق من يتصدى له، وحددوا مجالات الاجتهاد المقبول، ومراتبه وأنواعه وحكم الشرع فيه.

_وبخصوص حكم الاجتهاد، فإذا كان الإمام الشافعي تحدث عن وجوبه، فإن كثيرا من العلماء بعده كان همهم تأكيد جوازه ومشروعيته ودفع شبه المقلدة في شأنه. وما انتهيت إليه، هو أنه لا دليل على سد باب الاجتهاد، وليس في مقدور أحد أن يغلق بابا فتحه الله تعالى لعباده، ودعوى سده إنما هي دعوى فارغة وحجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت