فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 979

القائلين بذلك واهية وواهنة، لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى ما كان من توارث، ومبالغة في الخوف وما يعتبرونه من سد الذرائع.

_وكل إغلاق لباب الاجتهاد أو ادعاء لذلك إنما هو إعلان لوفاة العقل ومحاصرة لخلود الشريعة وامتدادها، وخروج من الواقع وانسحاب من مشكلاته وغياب عن الحاضر والمستقبل، ومصيبة تجعل العلماء يسيرون خلف المجتمع، يدفنون موتاه بدل أن يسيروا أمامه يقودونه إلى الخير ويقومون سلوك أحيائه.

_وإذا وقع من تراجع في الاجتهاد فبسبب تراجع الحياة أيضا، إذ الاجتهاد يحيى بحياة المجتمع ويموت بموته، وقد آل الفقه إلى الجمود تأثرا بانحطاط واقع حياة المسلمين. كما ضعف الاجتهاد في القضايا العامة، والسياسة الشرعية والواجبات الكفائية في الحكم والاقتصاد والعلاقات الخارجية وغيرها، بسبب من انفصال السياسة عن توجيه العلماء، وانتشار استبداد، وقمع الآراء التي فيها مساس بشؤون الحكم. مما أدى إلى ضعف صلة العلماء بالواقع وما نشأ عن ذلك من زهد فيه من حيث الانخراط ومن حيث دراسته وتحليله والاجتهاد في قضاياه.

_وبالاجتهاد يتم بسط رداء التدين على مجالات الحياة بحيث تندرج الحوادث غير المتناهية تحت النصوص المتناهية.

_وبخصوص مجال الاجتهاد، يكون الاجتهاد في"نطاق النص"لإثباته، أو لمعرفة المراد منه، أو رفع التعارض بين النصوص التي يوهم ظاهرها بذلك: بالجمع بينها أو الترجيح، أو استنباط الجزئيات والفروع منها، أو القيام بالمقارنة والموازنة بين النص ونظائره الواردة في موضوعه الموافقة أو المخالفة، ومعرفة مسألة النسخ وأسباب النزول أو الورود ... وغير ذلك من ألوان الاجتهاد التي تتسع وتكون أرحب أفقا مع النصوص التي تتضمن قبول المتغيرات، حيث يتجه الاجتهاد إلى استنباط الحكم الملائم للواقعة، وإلى الاجتهاد في التطبيق. ويضيق المجال في النصوص التي تتضمن الثوابت.

_وأما الاجتهاد"فيما لا نص فيه"فيكون بالبحث عن حكمه بأدلة القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو العرف أو الاستصحاب وغيرها من الأدلة المختلف فيها، إذ الاجتهاد في الأصول سابق على الفروع، فموضوعه ابتداء هو الأدلة الشرعية الكبرى، التي تضمنت الأدلة التفصيلية على الأحكام الشرعية الفرعية.

_ولا ينجو من الجدل غير أصلي الكتاب والسنة ويتضح أن للاجتهاد في أصول الفقه مجالا رحبا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون من قضايا كثيرة، فالباب لا يزال مفتوحا لمن وهبه الله المؤهلات لولوجه، ولكل مجتهد نصيب، وقد يتهيأ للمفضول ما لا يتهيأ للفاضل.

_وأما عن المجتهد فهو من تمكن من الأصول، وكانت له القدرة على الاستنباط. والأصول هي بمثابة الأسس وهي: الكتاب والسنة والاجماع ووسائل وآلات للفهم والاستنباط من تلك الأصول وهي اللغة العربية، وأصول الفقه ومقاصد الشريعة ومعرفة الناس والحياة، ثم شروط شخصية ليقبل منه الاجتهاد ويعتد به مثل العدالة والتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت