عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» [1] .
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا بَعْدَهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ. يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [2]
وقال الطحاوي:"هذا الحديث خَرَجَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ ذَكَرَ غَيْرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ:"خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ"،وَقَالَ:"خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"،وَكَانَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ اللُّغَةِ إِيَّاهُ، وَلِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ مِثْلَهُ، فَيَذْكُرُ بِالْعُمُومِ مَا يُرِيدُ بِهِ الْخُصُوصَ، حَتَّى جَاءَ بِذَلِكَ كِتَابُ اللهِ فِي قِصَّةِ صَاحِبَةِ سَبَأٍ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23] ،وَلَمْ تُؤْتَ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا أُوتِيَهُ سُلَيْمَانُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِهَا دُونَ النَّاسِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ جَاءَ بِالْعُمُومِ هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ لِمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا، وَكَانَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ:"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ"،هُوَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ: خَيْرُ أَهْلِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا، جَازَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي هُوَ مِنْهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا مَنْزِلَةٌ أُخْرَى، إِذْ لَعَلَّهَا فَوْقَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هِيَ قَبْلَهَا أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، فَيَكُونُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلَ مِمَّنْ لَا يُخَالِطُهُمْ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ بِاعْتِزَالِهِ شُرُورَهُمْ، وَانْقِطَاعِهِ عَنْهُمْ فِيمَا ذُكِرَ انْقِطَاعُهُ عَنْهُمْ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ، فَذَكَرَ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ، وَيَحْتَسِبُهُ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ لَهُ مِنْهُ، إِمَّا بِمَوْتٍ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي صَبْرِهِ عَلَى إِيذَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَانَ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ، وَخَالَطَهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ، وَاحْتَسَبَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى، وَبِالزِّيَادَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ فِيهِ أَحْرَى. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُرِيدَ"
(1) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 66) (2361) صحيح
(2) - موطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 445) (4) صحيح مرسل