صَاحِبِي: اخْرُجِ انْطَلِقْ. قَالَ: وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْصِيَهُ. قَالَ: فَقُمْتُ، فَأَخَذَتْ بِطَرْفِ رِدَائِي، فَقَالَتْ: أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا أَيْقَظْتُمُونِي رَأَيْتُ أَنَّمَا هُوَ حُلْمٌ، فَبَكَيْتُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ نُودِيَ فِي الْخَيْلِ قَالَ: فَرَكِبَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَطَارَدُونَ حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ لِلصَّائِمِ الْإِفْطَارُ، أُصِيبَ تِلْكَ السَّاعَةَ، وَكَانَ صَائِمًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ ثَابِتًا كَانَ يَعْلَمُ نَسَبَهُ" [1] "
الله أكبر ... إن عبادة المجاهد في سبيل الله مضاعفة إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثرة، سواء كانت هذه العبادة صيامًا أو صلاة أو قراءة للقران، أو ذكرًا أو تسبيحًا واستغفارًا لله! [2]
قال الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5]
فَإِذَا انْقَضَتْ الأَشْهُرُ المُحَدَّدَةُ أَجَلًا لِلْمُشْرِكِينَ، وَالتِي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا قِتَالَهُمْ، فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ، حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فِي الأَرْضِ، وَأسُروهُمْ (خُذُوهُمْ) ،فَإِنْ شِئْتُمْ أَسْرًا، وَإِنْ شِئْتُمْ قَتْلًا، وَلاَ تَكْتَفُوا بِقِتَالِ مَنْ تُصَادِفُونَهُ مِنْهُمْ فِي طَرِيقِكُمْ، وَلَكِنِ اقْصُدُوهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَحَاصِرُوهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، وَامْنَعُوا خُرُوجَهُمْ وَانْفِلاَتَهُمْ، وَارْصُدُوا طُرُقَهُمْ وَمَسَالِكَهُمْ، حَتَّى تُضَيِّقُوا عَلَيْهِمُ الوَاسِعَ، وَتَضْطَرُّوهُمْ إِلَى القَتْلِ أَوِ الإِسْلاَمِ. فَإِنْ تَابُوا عَنِ الشِّرْكِ وَأَسْلَمُوا، وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ، وَقَامُوا بِوَاجِبَاتِ الإِسْلاَمِ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (وَهَذِهِ الآيَةُ تُسَمَّى آيَة َالسَّيفِ إِذْ جَاءَ الأَمْرُ فِيهَا بِالقِتَالِ، وَكَانَ مُؤَجْلًا إلَى أَنْ يَقْوَى المُسْلِمُونَ) . [3]
يقول تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ} أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة.
{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} في أي مكان وزمان، {وَخُذُوهُمْ} أسرى {وَاحْصُرُوهُمْ} أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد الله وأرضه، التي جعلها [الله] معبدا لعباده.
فهؤلاء ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض الله، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من دينه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
(1) - الجهاد لابن المبارك (ص:123) (149)
(2) - تهذيب مشارع العشاق (ص:35)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1241،بترقيم الشاملة آليا)