قال الله تعالى في بيان صفات المؤمنين الذين وهبوا أنفسهم وأموالهم لله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:112]
هُنَا يُعَدِّدُ اللهُ تَعَالَى صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ، وَهُمُ: التَّائِبُونَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّها، التَّارِكُونَ لِلْفَوَاحِشِ، القَائِمُونَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَالمُحَافِظُونَ عَلَيهَا، وَالحَامِدُ نَ للهِ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، السَّائِحُونَ فِي الأَرْضِ، لِلاعْتِبَارَِ وَ الاسْتِبْصَارِ بِمَا خَلَقَ اللهُ مِنَ العِبَرِ وَ الآيَاتِ، (وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ مَعْنَى السَّائِحِينَ هُنَا الصَّائِمُونَ) وَالمُصَلُّونَ. وَهُمْ مَعْ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْعَوْنَ فِي نَفْعِ خَلْقِ اللهِ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ، بِأَمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهِيهِمْ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ العِلْمِ بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، وَيَجِبُ تَرْكَهُ طَاعَةً للهِ (أَيْ إِنَّهُمْ يَحْفَظُونَ حُدُودَ اللهِ) .وَيُبَشِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. [1]
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» [2]
وعَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا بِالِاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى، وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ إِخْصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ» ،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ايْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: «إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ» [3]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَنْبِئْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ السَّنَامِ مِنْهُ» فَقُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [4] .
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ:"بَخٍ بَخٍ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ صَلِّ الصَّلَوَاتَ الْمَكْتُوبَةَ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، أَفلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1348،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - سنن أبي داود (3/ 5) (2486) حسن
(3) - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 290) (845) حسن لغيره
(4) - تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (1/ 220) (197) صحيح