فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 501

خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً»،فَقَالَ:"هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" [1] .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] فَقَالَ:"أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَأُخْبِرْنَا أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالُوا رَبَّنَا: وَمَا نَسْتَزِيدُ وَنَحْنُ فِي الجَنَّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شِئْنَا؟ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ قَالُوا: تُعِيدُ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَنُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى" [2]

(إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا) :أَيْ رَسُولَ اللَّهِ (عَنْ ذَلِكَ) :أَيْ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ. (فَقَالَ) :يَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَسْئُولُ وَالْمُجِيبُ هُوَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَفِي فَقَالَ ضَمِيرٌ لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الْحَالِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ حَالُ الصَّحَابِيِّ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ وَاسْتِكْشَافُهُ مِنَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لَا سِيَّمَا فِي تَأْوِيلِ آيَةٍ هِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَمَا هِيَ مِنْ أَحْوَالِ الْمَعَادِ، فَإِنَّهُ غَيْبٌ صِرْفٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَلِكَوْنِهِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ التَّعْيِينِ أُضْمِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ ذِكْرُهُ.

قُلْتُ: أَيْضًا: جَلَالَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَأْبَيْ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: (أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ) :أَيْ يُخْلَقُ لِأَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ مَا فَارَقَتْ أَبْدَانَهُمْ هَيَاكِلُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَا، وَتَكُونُ خَلَفًا عَنْ أَبْدَانِهِمْ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران:169] فَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا إِلَى نَيْلِ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ اللَّذَائِذِ الْحِسِّيَّةِ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران:169 - 170] وَالطَّيْرُ جَمْعُ طَائِرٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَخُضْرٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَخْضَرَ (لَهَا) :أَيْ لِلطَّيْرِ، أَوْ لِلْأَرْوَاحِ (قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ) :بِمَنْزِلَةِ أَوْكَارِ الطَّيْرِ (تَسْرَحُ) :أَيْ تَسِيرُ وَتَرْعَى وَتَتَنَاوَلُ (مِنَ الْجَنَّةِ) :أَيْ مِنْ ثَمَرَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا (حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي) :أَيْ تَرْجِعُ (إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ) :أَيْ فَسَتُقِرُّ فِيهَا، ثُمَّ تَسْرَحُ، وَهَكَذَا (فَاطَّلَعَ) :بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ ; أَيْ نَظَرَ (إِلَيْهِمْ) :وَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ (رَبُّهُمْ) :وَإِنَّمَا قَالَ (اطِّلَاعَةً) :لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ اطِّلَاعِنَا عَلَى الْأَشْيَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: وَعَدَّاهُ بِإِلَى، وَحَقُّهُ أَنْ يُعَدَّى بِعَلَى

(1) - صحيح مسلم (3/ 1502) 121 - (1887)

(2) - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 231) (3011) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت