وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .
وَاجْلِسْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ فَضْلِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، سَواءً كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُقَالُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ حِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ لاَ يُجَالِسِ الفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ) .ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ لاَ يُجَاوِزَ هؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّرَفِ وَالثَّرْوَةِ، وَبِأَنْ لاَ يُطِيعَ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيا عَنِ الدِّينِ، وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي أَعْمَالِهِ حُدُودَ اللهِ، وَتَمَادَى فِي ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَكَانَ مُفْرِطًا سَفِيهًا فِي أَمْرِهِ. [1]
فاعلم يا أخي المسلم أن الدعوات لا يُحكم عليها بعدد أتباعها ولا بثرواتهم أو مراكزهم وإنما يحكم عليها بموافقة مناهجها للحق الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَوَقَعَ حُبُّهُ فِي قَلْبِي , فَلَزِمْتُهُ حَتَّى وَارَيْتُهُ فِي التُّرَابِ بِالشَّامِ , ثُمَّ لَزِمْتُ أَفْقَهَ النَّاسِ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ , فَذُكِرَ يَوْمًا عِنْدَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا , فَقَالَ: «صَلُّوهَا فِي بُيُوتِكُمْ , وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» .قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ:"فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «وَكَيْفَ لَنَا بِالْجَمَاعَةِ؟» فَقَالَ لِي: «يَا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ , إِنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ , إِنَّمَا الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ» [2] "
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْيَمَنِ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا , إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْكُمْ فَوَقَعَتْ لَهُ فِي قَلْبِي مَحَبَّةٌ، فَلَمْ أُفَارِقْهُ حَتَّى مَاتَ , فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَيْتُ , فَقَالَ لِي: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَبْكِي إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَكَ، قَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ثَابِتَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَالْتَمِسِ الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ , عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فَإِنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ , وَسَلْمَانَ الْخَيْرِ، وَعُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلَحِقْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2169،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 122) (160) حسن