الحقيقة، فهذا الواقع هو الباطل الزائل. الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة. لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم.
وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة، من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة، بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية. ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين، يحميهم من الانهيار، ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه .. حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى. يجده في هذا الواقع ذاته بدون حاجة إلى الانتظار الطويل!!
وعلى أية حال فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود، وأن الذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون، وأن الله ورسله هم الغالبون. وأن هذا هو الكائن والذي لا بد أن يكون. ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون! [1]
وقال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]
وَلِلْوُصُولِ إِلَى هَذَا النَّعِيمِ فَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَسَابِقُوا وَيَتَنَافَسُوا فِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ، وَالفَوْزِ بِمَرْضَاتِهِ، وَالعَمَلِ بِأَوَامِرِهِ. [2]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا وَالْيَقِينِ فَافْعَلْ , وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا , وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ , وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ , وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" [3] "
ومما يدخل في الصبر في ميدان الجهاد، الصبر على الأمير، الصبر على طاعته في العسر والصبر على طاعته في المكره، والصبر على طاعته وإن استأثر بشيء دون الرعية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [4]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4391)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5751،بترقيم الشاملة آليا)
(3) - شعب الإيمان (12/ 354) صحيح
(4) - صحيح البخاري (9/ 47) (7054) وصحيح مسلم (3/ 1477) 55 - (1849)
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا) أَيْ أَمْرًا أَوْ فِعْلًا (يَكْرَهُهُ) أَيْ شَرْعًا أَوْ طَبْعًا (فَلْيَصْبِرْ) أَيْ وَلَا يَخْرُجْ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ) أَيِ الْمُنْتَظِمَةَ بِنَصْبِ الْإِمَامَةِ (شِبْرًا) أَيْ قَدْرًا يَسِيرًا (فَيَمُوتَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَانِبِ النَّفْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (يُفَارِقُ) أَيْ فَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ (إِلَّا مَاتَ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (مِيتَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (جَاهِلِيَّةً) أَيْ مَنْسُوبَةً إِلَى الْجَاهِلِ فِي الدِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمِيتَةُ وَالْقِتْلَةُ بِالْكَسْرِ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَفَارَقَ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ وَشَذَّ عَنْهُمْ وَخَالَفَ إِجْمَاعَهُمْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ عَلَى هَيْئَةٍ كَانَ يَمُوتُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى طَاعَةِ أَمِيرٍ فَلَا يَتَّبِعُونَ هُدَى إِمَامٍ بَلْ كَانُوا مُسْتَنْكِفِينَ عَنْهَا مُسْتَبِدِّينَ فِي الْأُمُورِ لَا يَجْتَمِعُونَ فِي شَيْءٍ وَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى رَأْيٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2394)
والمعنى ما من أحد يفارق جماعة المسلمين، ويخرج عن طاعة ولي الأمر ويعصيه أقل عصيان"فيموت إلاّ مات ميتة جاهلية"أي كميتة أهل الجاهلية حيث لا يرجعون إلى طاعة أمير، ولا يتبعون هدى إمام قال الحافظ: وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الفتن التي يصاب بها العبد السلم أن يرى من ولي الأمر شيئًا من المعاصي والظلم، فيجب عليه في هذه الحالة الصبر والسمع والطاعة، محافظة على جماعة المسلمين، ما دام لم ير منه كفرًا صريحًا، ولم يكرهه على معصية، لما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"السمع والطاعة كل المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا جمع ولا طاعة"،أخرجه الشيخان وأبو داود. ثانيًا: التحذير الشديد من الخروج على إمام المسلمين (بغير حق) ،وكونه كبيرة من الكبائر، لقوله - صلى الله عليه وسلم:"فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية"فإن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلّا على مرتكب الكبيرة وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لا في ذلك من حقن الدماء. ثالثًا: استدل به الأصوليون على حجيّة الإِجماع. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 359)